الجمعة، 23 سبتمبر، 2011

هل تنجح تركيا حيث فشلت إيران ؟

جريدة الشرق الأوسط اللندنية 24 من شوال 1432هـ / 22 من سبتمبر 2011م

زعماء المنطقة غير العرب يريدون كسب الشارع العربي، يعتبرونه مأخوذا بمواقفهم، يلعبون على عواطفه وخيباته. والشارع العربي يجمّل صورتهم في الخارج، يساعدهم على استمداد القوة.

على خطى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يسير رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان. الأول حاول «اقتناص» الشارع العربي قبل «الثورات العربية» ولما وقعت الثورات، ظن أنه بسبب تأثير الثورة الإسلامية الإيرانية. أردوغان أراد «قطف» حماسة الشارع العربي وهي في عز ربيعها ولا تعرف ماذا يحمل لها شتاء الثورات.

الشارع العربي يمنح قوة لهؤلاء الزعماء، وهم يدغدغون أحلامه، يحدثونه عن مستقبل زاهر. لكن الشارع العربي مثل الزئبق لا يهدأ بيد زعيم، ثم إنه شارع ملول، وكما يعشق بسرعة يدير ظهره بسرعة، وهكذا القوة التي يمنحها لهؤلاء. أين صارت القوة التي ظن أحمدي نجاد أن الشارع العربي منحه إياها؟ بتلك القوة قمع المظاهرات التي خرجت تندد بتزويره الانتخابات الرئاسية. فإذا به يخسر الشارع الإيراني، فيما الشارع العربي أدار له ظهره.

القوة التي تنفسها أردوغان من جولته الأخيرة دفعته إلى تهديد قبرص اليونانية التي لم تبال، وقررت المضي قدما في التنقيب عن الغاز قبالة الساحل الجنوبي. استمر أردوغان في التهديد وفي الوقت نفسه أبلغ الأمم المتحدة وقادة قبرص أن بلاده لم تعد مستعدة لقبول التنازلات التي وافقت عليها للمساعدة في إعادة توحيد قبرص حسب خطة الأمم المتحدة لعام 2004، فالجانب التركي لن يرضى بقبول أي شيء أقل من الاعتراف بحل الدولتين في الجزيرة. أيضا حذرت تركيا الاتحاد الأوروبي، بأنها لن توافق على تسلم قبرص رئاسة الاتحاد مع بدء السنة المقبلة.

في منتصف شهر مارس (آذار) الماضي وفي منتدى «الجزيرة»، شدد وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو على أنه «تجب حماية سلامة أراضي بلادنا والمنطقة». لم يشر إلى قبرص أو الأكراد.

يريد أردوغان الآن وضع تركيا باعتبارها طليعة المؤيدين للقضية الفلسطينية، كما يريد من «الربيع العربي» اعتبار تركيا مؤيدة ونموذجا ملهما، مشددا على وحدة تركية - عربية صلبة، فهو يخطط لمجلس تعاون استراتيجي بين مصر وتركيا.

التمهيد لهذا التعاون لوحظ من خلال حجم الوفد الذي رافق أردوغان: ستة وزراء ونحو 200 من رجال الأعمال الأتراك، فتركيا عازمة على الاستثمار بكثافة في المنطقة. عام 2010 بلغ حجم التجارة التركية مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يفوق 30 مليار دولار، أي ما يمثل 27% من الصادرات التركية، وقد استثمرت أكثر من 250 شركة تركية في مصر بمبلغ 1.5 مليار دولار.

يجب الاعتراف، أنه رغم محاولات أحمدي نجاد كسب الشارع المصري بشن حربه على نظام مبارك، فقد عجز عن إغراء هذا الشارع بالنظام الإيراني رغم العلاقات التي بناها مع «الإخوان المسلمين» و«شارع خالد الإسلامبولي». أما أردوغان، وإلى حين موعد زيارته، فقد كان النموذج التركي يحظى بشعبية هائلة في مصر: حزب إسلامي (حزب العدالة والتنمية) في السلطة، دستور علماني، أما الجيش، وإن كان قويا، فقد أعيد إلى الثكنات، وازدهار اقتصادي.

لكن المشكلة مع أردوغان، أن سياساته الخارجية غير ثابتة. ومراجعة لسياساته القريبة، والتي تغيرت بسرعة، تبعث على الشك في ثبات هذه السياسة والتزاماتها.

حذر أردوغان من محاولة غزو ليبيا. وأصر على أنه إذا كان هناك أي تغيير للنظام في ليبيا فيجب أن يأتي من الداخل وليس من خلال التدخل الأجنبي. كان لتركيا استثمارات بمليارات الدولارات في ليبيا ناهيك عن أكثر من 20 ألف عامل تركي تم إجلاؤهم في غضون أيام. ورغم أنها في الأطلسي فقد أدانت بقوة القرار الدولي 1973. ثم حصلت الإطاحة بالنظام، فانتقلت قافلة أردوغان لتحية الثوار.

يمكن لتركيا أن تقول إنها حسب سياسة داود أوغلو: «صفر مشكلات»، فإن الاقتصاد والتجارة يأخذان الأولوية. لكن هذه السياسة انهارت وأدت إلى ضغينة مع إسرائيل، والثورات العربية دفعت أنقرة إلى إدخال بعض التعديلات عليها. هذا الأسلوب (إدخال تعديلات)، قد يتكرر مع السياسة «المنفتحة» الجديدة.

لكن إدخال التعديلات لم ينجح مع سوريا. فقد انكسرت العلاقات عندما تجاهلت سوريا دعوة تركيا لوقف حملتها العسكرية على المتظاهرين المدنيين. وأفقدتها بذلك «القوة» التي يتمتع بها أحيانا الوسيط. وبذلك تكون سوريا الثانية بعد إسرائيل التي نزعت صفة الوسيط عن تركيا.

في إطار سياسة «صفر مشكلات» مع الدول المجاورة عززت أنقرة علاقاتها السياسية والتجارية مع سوريا. ارتبط أردوغان بصداقة مع الرئيس السوري بشار الأسد وبنى علاقات سياسية واقتصادية مع دولة مجاورة، كانت معادية، وعادت معادية الآن عندما فقد صبره لامتناع الأسد عن الأخذ بنصيحته عدم قتل المحتجين وإجراء إصلاحات. قد لا يكون الحق على أردوغان في فشل سياسة «صفر مشكلات» مع سوريا، إذ إن الالتزام بالوعود ليس من صفات الرئيس السوري، فهو عندما وافق على قانون تعدد الأحزاب الذي طالبت به المعارضة، لم يوقع عليه إلا بعدما شطب عبارة: «المشاركة في السلطة والحكم».

داود أوغلو، يوم الأحد الماضي وفي حديث إلى «سي إن إن» قال إن سياسة «صفر مشكلات» لم تسقط إلا في سوريا. هذا يعني أن العلاقة مع إيران جيدة.

في كتابه: «العمق الاستراتيجي: وضع تركيا الدولي»، يقول أوغلو إن تركيا الآن لاعب رئيسي في الشرق الأوسط «هذا هو وطننا». ولوضع هذه العبارة في منظور مفهوم، جاء أوغلو بمعادلة: العثمانية الجديدة زائد القومية التركية زائد الإسلام، تساوي: تركيا الكبرى.

العثمانية الجديدة تصل بتركيا إلى الأراضي العربية والبلقان. الروابط القومية التركية تصل بها إلى آسيا الوسطى، أما ديار الإسلام فإنها من المغرب إلى إندونيسيا. لهذا، وهو الأهم بالنسبة إلى أوغلو، فإنه يعتبر الشراكة بين تركيا وإيران تعادل تلك القائمة بين فرنسا وألمانيا. وفي ظل مفهوم أوغلو هذا، يمكن فهم العلاقة بين تركيا والبرازيل وموقفهما العام الماضي في مجلس الأمن، ضد واشنطن ولندن وباريس بالنسبة إلى البرنامج النووي الإيراني.

سوريا على علاقة وثيقة بإيران، شكلت لتركيا حالة حرجة وقد يكون هذا السبب الذي جعل أردوغان يفقد صبره مع الأسد. فتركيا ترى إيران الباب الذهبي إلى آسيا الوسطى وربما أيضا إلى الخليج، وإلى تحقيق معادلة أوغلو.

هل أن الطموح التركي البعيد سيتعرض لما يتعرض له الطموح الإيراني البعيد؟ تركيا الآن تستخدم المشاعر المعادية لإسرائيل في المنطقة لكسب مصداقية (لم يقطع أردوغان العلاقات الدبلوماسية)، لكنها تريد أن تستمر أزمتها مع إسرائيل لنفوذ أقوى في الشرق الأوسط، اعتقادا منها بأن الحاجة الأميركية لها ستزداد للمساعدة في إدارة الصراعات في الشرق الأوسط من سوريا إلى مصر إلى إيران. ثم إن تركيا بعد ضعف النظام في سوريا تريد أن تلعب دورا في العراق وربما كوسيط بين واشنطن وطهران. هي «سلّفت» الولايات المتحدة في الرابع من سبتمبر (أيلول) عندما وافقت رسميا على تركيب رادار لمنظومة الصواريخ الدفاعية الاستراتيجية التي تديرها الولايات المتحدة. هذه الموافقة قد تعقّد العلاقات التركية - الروسية، لكنها في الوقت نفسه إشارة تركية إلى أميركا على أن أنقرة ضرورية لواشنطن، وإشارة إلى طهران على استعداد أنقرة للعب دور الوسيط بينها وبين واشنطن، وإشارة إلى إسرائيل، ليس معروفا تفسيرها، فإيران رأت الموافقة على الرادار، بمثابة دفاع عن إسرائيل.

هل هذه خطوة تركية صائبة؟ حتى الآن خسر أردوغان انتصارين. الأول مع سوريا التي رفضت الاستماع لنصائحه، والثاني مع إسرائيل التي رفضت تقديم اعتذار له.

وهناك في تركيا من بدأ يحذر إذ إن الآذريين فيها أكثر عددا من أذربيجان، والأرمن أكثر من أرمينيا، وفيها ألبانيون أكثر مما في ألبانيا وكوسوفو، وبوسنيون أكثر من البوسنة، والأكراد فيها أكثر عددا من كردستان العراق وهذه كلها براميل بارود محتملة.


الكاتبة :- هدى الحسيني

خامنئي والبحرين .. الوعد الكاذب !

العربية نت 21 شوال 1432هـ - 19 سبتمبر 2011م

قد يشكل الولي الفقيه ومرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي مرجعية سياسية للعديد من الشيعة في العالم، وبالتالي فإن المواقف السياسية التي يتخذها تكون مواقف هامة لتأثيرها على مواقف مختلف التيارات الشيعية، وسلوكهم السياسي لاحقاً. وسبب ذلك تقاطع المصالح بين مصالح الجمهورية الإسلامية من جهة، ومصالح التيارات الشيعية.

في البحرين منذ اندلاع الأزمة السياسية الراهنة في 14 فبراير الماضي، كان لافتاً حجم التدخل الإيراني في الحراك السياسي الدائر أثناء الأزمة، وهو تدخل ليس بجديد إذ تتمتع طهران بتاريخ حافل من التدخلات السياسية والأمنية في الشأن البحريني منذ حكم الشاه الأخير.

ولكن التطورات الأخيرة التي شهدتها البحرين كشفت نظرة أكثر راديكالية من القيادة السياسية الإيرانية تجاه المنامة. فإذا كانت طهران تواجه المنامة بشكل غير مباشر عبر سلسلة من التصريحات لفعاليات رئيسة في النظام الإيراني وغالباً ما تكون فعاليات غير رسمية، فإنها بعد الأزمة البحرينية أصبحت تمارس نشاطها بشكل علني وأكثر صراحة ووضوحاً.

هذا هو الوضع الراهن، ولكن بمتابعة تطور الموقف الإيراني تجاه الأزمة البحرينية يمكن الخروج بعدة حقائق أبرزها، محدودية تصريحات المرشد الإيراني مقارنة بتصريحات المسؤولين الحكوميين في طهران. فخلال الفترة من فبراير إلى أغسطس 2011 لم يصدر عن الولي الفقيه سوى 4 تصريحات بشأن البحرين. وهو ما يكشف توزيع الأدوار داخل النظام الإيراني، وضمان وجود خط رجعة من قبل قمة الهرم السياسي تجاه المواقف السياسية السابقة في حالة تطور الأزمة البحرينية بما يتعارض ومصالح طهران.

بالإضافة إلى ذلك فإن جميع تصريحات المرشد الإيراني بشأن البحرين تزامنت مع مناسبات قومية عامة في إيران أو حتى للشيعة عموماً، وتشمل عيد السنة الفارسية، والذكرى السنوية لرحيل الإمام الخميني، ويوم البعثة النبوية حسب التقويم الشيعي، بالإضافة إلى عيد الفطر. ومثل هذا التوجه يشير إلى أن سبب اختيار المرشد لمثل هذه المناسبات هو تكوين تضامن شيعي ـ شيعي تجاه القضايا التي يثيرها. وبالتالي فإن تركيزه في مثل هذه المناسبات على الأوضاع السياسية في البحرين من شأنه أن يثير تعاطف الشيعة في العالم مع ظروف شيعة البحرين، ومن ثم يساعد طهران في زيادة الضغط على البحرين لدعم أنصار ولاية الفقيه من الطائفة الشيعية.

ركزت تصريحات المرشد الإيراني على تكريس مجموعة من المفاهيم في خطابه السياسي بشأن الأوضاع في البحرين؛ وتشمل: "الشعب المظلوم، ثورة مطالب، المطالبة بالحقوق، التدخل السعودي، الاضطهاد، عدم الوفاء بالعهود للشعب". كما حرص خطاب المرشد على نفي الطائفية عن الاحتجاجات التي شهدتها البحرين.

اعتمد المرشد في خطابه الديني ـ السياسي حول الأزمة البحرينية على تقديم الوعود بالنصر الإلهي، واهتمت بتحفيز شيعة البحرين على الثبات ومواصلة الاحتجاجات في مواجهة الدولة من خلال تبريرات دينية مستقاة من المذهب الشيعي.

في أوقات عديدة اتسمت تصريحات المرشد بالتناقض، ومن أمثلة ذلك تبريره وتأكيده مشروعية الاحتجاجات التي قام بها شيعة البحرين، وتحريمه ورفضه لتلك الاحتجاجات التي قام بها المواطنون في سوريا أو حتى العراق. بالمقابل تضمن خطاب المرشد الإيراني مطالب متطرفة، وهي لا تعكس حقيقة أو واقع، وتتراوح بين وقف التدخل السعودي لقمع شعب البحرين مروراً بوقف الظلم عن شعب البحرين، وضرورة مواصلة الاحتجاجات المشروعة لمواجهة الدولة.

الازدواجية المذهبية

التصريح الأول لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي كان بمناسبة عيد السنة الفارسية الجديدة خلال مارس 2011، حيث وجه انتقادات حادة للسعودية، وأكد نفيه دعمه للاحتجاجات في البحرين لأسباب مذهبية مبرراً موقفه بأن طهران تدعم كافة المسلمين ومن أمثلة ذلك دعمها للفلسطينيين وقضيتهم.

اللافت في هذا التصريح أنه ركز على ما أسماه بـ "التدخل السعودي" رغم أنه في الحقيقة مشاركة سعودية في قوات درع الجزيرة الخليجية. وكان اتهام خامنئي للرياض أنها تتدخل عسكرياً في البحرين تحت غطاء قوات درع الجزيرة.

ومن الواضح أن خامنئي كان يسعى لتحقيق عدة أهداف عبر تصريحه الأول بشأن البحرين في مناسبة إيرانية هامة (عيد السنة الفارسية الجديدة)، حيث سعى لربط ربط المواجهة في البحرين بين إيران والسعودية، وليس إيران ودول مجلس التعاون الخليجي التي شاركت ضمن قوات درع الجزيرة. أيضاً قام بالتأكيد على عدم طائفية الاحتجاجات السياسية التي تشهدها البحرين، وأنها تمثل مطالب الشعب البحريني.

بالإضافة إلى ذلك ربط المرشد الإيراني الاحتجاجات السياسية في البحرين بالاحتجاجات التي كانت تشهدها آنذاك تونس ومصر. وقد يكون الهدف من وراء ذلك تكوين رأي عام شيعي بأن احتجاجات البحرين تسعى لتحقيق مطالب شعب البحرين لإبعاد أي محاولات من قبل المسؤولين الإيرانيين تتعلق بالمطالبة بإقامة دولة إسلامية في البحرين.

تصنيف إيراني للثورات

أما التصريح الثاني لمرشد الثورة الإيرانية فكان في نهاية يونيو 2011 تزامناً مع الاحتفال بيوم البعثة النبوية حسب التقويم الشيعي، وأكد فيه أن "الاحتجاجات في البحرين تعد النضال الحقيقي المماثل لحركة الشعب المصري والتونسي واليمني". وأن "الاحتجاجات في العالم العربي تمثل الصحوة الإسلامية التي تسير على الطريق الذي رسمه الرسول".

وأشار خامنئي في تصريحه إلى واشنطن وتل أبيب قائلاً: "لن تسمح للأمريكيين والصهاينة بركوب الموجة وحرق هذه الحركة العظيمة عبر بث الخلافات والتحايل عليها".

كما ابتكر تصنيفاً خاصاً بالثورات يقوم على تصنيفها إلى قسمين؛ ثورات مزيفة وثورات حقيقية، حيث قال: "الثورة السورية نسخة مزيفة عن الثورات في مصر وتونس واليمن وليبيا". متهماً الولايات المتحدة الأمريكية بصنع الثورة السورية لإيجاد خلل فيما أسماها بـ "جبهة الممانعة".

ويلاحظ تكرار ربط خطاب المرشد الإيراني للأحداث في البحرين بأنها امتداد طبيعي للثورات التي تشهدها البلدان العربية الأخرى. وكذلك تبريره للاحتجاجات وفق أسس دينية عندما وصفها بأنها "تمثل الصحوة الإسلامية التي تسير على الطريق الذي رسمه الرسول".

إلا أن التطور المهم في هذا الخطاب، هو التناقض الكبير في الوصف، حيث قسّم المرشد الاحتجاجات التي تشهدها البلدان العربية إلى احتجاجات حقيقية، كما هو الحال في البحرين. واحتجاجات مزيفة، كما هو الحال في سوريا.

ابتكار المواجهة

بمناسبة الذكرى السنوية الثانية والعشرين لرحيل الإمام الخميني في بداية يونيو 2011 أطلق مرشد الجمهورية الإسلامية تصريحه الثالث بشأن البحرين، وتضمن التركيز على مفاهيم أخرى، حيث قال: "الشعب البحريني مظلوم ظلامة مطلقة وأمريكا تعاملت مع ثورته بمكاييل ضد شعاراتها الديمقراطية وحقوق الإنسان والسعودية لا يمكن أن تقمع الشعب البحريني دون ضوء أخضر من أمريكا".

وأضاف: "الشعب البحريني ثورته ثورة مطلبية وهو يريد حقوق مشروعة وليست ثورة طائفية بين سنة وشيعة على الرغم من غالبية شيعية في البحرين... نحن ندعم ونقف مع كل الثورات التي هي ضد أمريكا والصهيونية والثورات التي تأتمر بأمريكا نحن لا ندعمها لأن أمريكا والصهاينة هم ضد شعوب المنطقة... النصر حليف الثورات حتى وإن تأخر النصر إلا أن النصر حليفها إذا تمسكت بالله والقرآن والوعي والاستمرار".

في هذا التصريح يلاحظ حرص مرشد الثورة الإيرانية على تبرير إخفاق طهران في دعم شيعة البحرين خلال احتجاجاتهم، وهو ما برّره بالدعم الأمريكي للسعودية لقمع ثورة البحرين. كما استمر في تأكيده على أن الاحتجاجات في البحرين تعد ثورة مطلبية، وليست ثورة طائفية رغم وجود ما أسماه "أغلبية شيعية".

أيضاً عمل خامنئي على تحفيز شيعة إيران والشيعة بشكل عام على مواجهة واشنطن وتل أبيب، وهو أسلوب يهدف إلى تشتيت اتجاهات الرأي العام الشيعي عن الأزمة الحقيقية التي تسببت فيها طهران في البحرين، وفشلها في تحقيق أهدافها الرامية لإسقاط النظام السياسي الحاكم. كما قدم المرشد الإيراني إطاراً زمنياً جديداً للثورة الشيعية في البحرين، مع تقديم تأكيدات بأن هناك ضمانات للنصر تتمثل في التمسك بالدين والقرآن، وهو استغلال صريح للدين في الخطاب السياسي.

الوعد الكاذب

تمثل التصريح الرابع في خطبة عيد الفطر التي ألقاها مرشد الثورة الإيرانية نهاية أغسطس 2011، وخصص جزءاً منها للحديث حول الأوضاع السياسية في البحرين، وذكر فيها أن "الشعب البحريني شعب مظلوم؛ وإنه يتعرض للظلم والاضطهاد. إننا قلقون جدّاً تجاه الوضع في البحرين، لأن هناك ظلم يرتكب بحق شعب البحرين، ويقدّم له الوعود لكن لا يوفى بها... إن أيّ تحرّك وإقدام كان من أجل الله، متى ما رافقه العزم والإرادة، فإنه منتصر لا محالة، وهذا ما يصدق في أي مكان، وفي قضية البحرين أيضاً... إن النصر سيكون حليف الشعوب، وفشل مؤامرات الأعداء ضد الثورة الإسلامية في إيران".

في خطابه الأخير اهتم خطاب المرشد الإيراني بالتأكيد على مفاهيم المظلومية والاضطهاد لدى الشيعة في البحرين. والتلويح برفض أية وعود تقدمها الدولة أو حتى الحكم لشيعة البحرين، لأن هناك حالة من عدم الوفاء حسبما يراه المرشد.

مشدداً على النصر المستقبلي وفق مفاهيم دينية. والتركيز على احتمال تعرّض فكر ولاية الفقيه والنظام الديني الحاكم في طهران لهجمات من بعض الأطراف بسبب تدخلات إيران الإقليمية، والتحذير منها.

النتيجة الختامية لتحليل الخطاب السياسي للولي الفقيه الإيراني تجاه الأزمة البحرينية، أنه يقدم وعوداً بانتصار تيار ولاية الفقيه في المنامة، وأن أي محاولات لمواجهة هذا الانتصار ستنتهي بالفشل، مقدماً تبريرات دينية ـ سياسية لإخفاق طهران في الأزمة البحرينية بعد أن حظت المنامة بدعم خليجي كبير.


الكاتب :- يوسف البنخليل