السبت، 21 مايو، 2011

نجاح الثورة بأيدي السوريِّين أنفسهم

موقع الإسلام اليوم 16 من جمادى الآخرة 1432هـ / 19 من مايو 2011م

دَخلَت الثورة السوريَّة مرحلة حرجة وحاسمة من عمرها بعد أن اجتازت مراحل كثيرة صعبة ودقيقة، كانت المرحلة الأهمّ في عمر هذه الثورة المباركة هي المرحلة الأولى؛ حيث كسر السوريون حاجز الخوف، وقد كان حاجزًا مخيفًا أقامه نظام أمني قمعي من أشرس الأنظمة العربيَّة على الإطلاق.

اجتاز السوريون هذا الحاجز، وساعدهم على ذلك قوة الدفع المكتسبة من الثورات العربيَّة المنتشرة في كل مكان، وخرجوا للشارع يدعون إلى الحرية التي حُرموا منها طيلة عقود طويلة.

اجتازت الثورة السوريَّة المرحلة الأولى بنجاح ودخلت المرحلة الثانية وهي الارتفاع بسقفها؛ ففي المرحلة الأولى لم تطالب الثورة بتغيير النظام، أما في المرحلة الثانية فطالبت بإسقاطه وليس تغييره فقط، ورفعت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، وكان هذا يعني أن زخم الثورة يتزايد وأن مطالبها تتصاعد.

واجتازت الثورة السوريَّة أيضًا المرحلة الثالثة بنجاح، وهي الاستمرار والتقدم للأمام وعدم التراجع، وهذه خطوة شديدة الأهميَّة، وتعتبر من أهمّ مراحل الثورات وأخطرها، وحينما تجتازها الثورة يكون ذلك أول مؤشر على نجاحها.

وقد انتشرت الثورة في معظم المدن السوريَّة، وإن كان دور مدينتي دمشق وحلب لم يصل إلى المستوى المطلوب بعد، وإن شاء الله سيكون له دور حاسم في نجاح الثورة بسبب الثقل السكاني والتاريخي الكبير لهاتين المدينتين.

وكانت المرحلة الرابعة هي دفع الفاتورة والثمن غاليًا وتحمله الثوار عن طيب خاطر، وقد دفعته الثورة من دماء أبنائها وجراحاتهم حيث سقط حتى الآن أكثر من ثمانمائة وخمسين شهيدًا وأضعافهم من الجرحى، وهذا الثمن هو الوقود لكل الثورات، وهو يدفعها دفعًا إلى الأمام، فكلما سقط شهيد كلما مد ذلك في عمر الثورة وكلما دفع الناس للمطالبة بالقصاص للشهداء الأبرياء، وكلما أراد البعض التراجع ذكرّه الجميع بدماء الشهداء فيعود إليه عزمه من جديد.

واجتازت الثورة السوريَّة المرحلة الخامسة، وهي مواجهة الآلة العسكريَّة التي دخلت المدن وحاصرتها وعاثت في الأرض فسادًا وأغلقت المساجد واعتقلت الناس وقتلت العشرات والمئات وأخافت عباد الله وأرعبتهم، تحمَّل السوريون كل ذلك وصبروا ولم يُنهوا ثورتهم، بل زادوا إصرارًا وتصميمًا على مواجهة هذا الطغيان والاستبداد.

والمرحلة السادسة التي تعيشها الثورة السوريَّة الآن هي الاستفادة من أخطاء النظام الحاكم ومن جرائمه، ومجمل هذه الأخطاء سيصبُّ في النهاية في صالح الثورة وفي اكتسابها المزيد من الانتشار الداخلي والدعم الخارجي والتأييد الدولي.

من أمثلة جرائم النظام البعثي العثور على مقبرة جماعيَّة قرب مدينة درعا، التي دخلها الجيش لسحق المظاهرات، حيث قال أهل المدينة: إنهم أخرجوا 13 جثة من مقبرة واحدة، اكتشفت في أرض زراعيَّة على مشارف المدينة، وبين الجثث التي عُثر عليها جثث رجل عمره 62 عامًا وأربعة من أبنائه، إضافة إلى جثتي امرأة وطفل.

مثل هذه الجريمة البشعة جعلت منظمات حقوق الإنسان المحليَّة والعربيَّة والدوليَّة تجتمع على إدانة هذا الإرهاب الرسمي، كما تناقلت وسائل الإعلام أخبار هذه المجازر، وأصبحت ممارسات النظام السوري مكشوفة ومفضوحة ومدانة على مستوى كبير.

وإذا كانت وسائل الإعلام والهيئات الإعلاميَّة الدوليَّة ممنوعة من دخول سوريا، حتى يستطيع النظام القمعي أن يُخفي جرائمه، فإنه في عصر الفضائيات والإنترنت والموبايل، أصبحت هذه الممارسات بالية، فرغم كل هذا التضييق استطاع شباب الثورة السوريَّة توصيل صوتهم إلى جميع أنحاء العالم، ونقلوا صور المظاهرات، كما نقلوا صور الشهداء رجالًا ونساءً، ونقلوا جرائم قوات الأمن وتعذيبهم للمتظاهرين، ونقلوا صور إطلاق الرصاص الحي على المشاركين في المظاهرات.

وإذا كان النظام السوري يعتمد في خطابه الإعلامي على الأكاذيب ويلقي باللوم في الجزء الأكبر من العنف على جماعات مسلَّحة مدعومة من إسلاميين وقوى خارجية، يقول إنها قتلت أكثر من 120 فردًا من قوات الأمن، وأن الجيش دخل درعا لاستعادة الأمن والنظام بعد مناشدات من السكان، فإنه أصبح معروفًا على نطاق واسع داخل سوريا وخارجها أن هذه مجرد أكاذيب نظام قمعي يواجه ثورة شعبيَّة لها مطالبها المشروعة.

ومن نماذج الدعم الذي بدأت تلقاه الثورة السوريَّة من المحيط العربي ما طالب به عدد من أعضاء مجلس الأمة الكويتي، بطرد السفير السوري من الكويت، بعد أن رفضت السفارة السوريَّة في الكويت انطلاق قافلة مساعدات إنسانيَّة كويتيَّة إلى مدينة درعا، محتجة بأن القافلة لا علاقة لها بأي أوضاع إنسانيَّة، وإنما تتعلَّق بأغراض سياسية، وأن القافلة لا مبرِّر لها لأن المواد الغذائيَّة وغيرها متوفِّرة لجميع المواطنين السوريين بمن فيهم سكان محافظة درعا.

ولأن القافلة لا تحمل غير المساعدات الإنسانيَّة الغذائيَّة والطبيَّة لفكّ الحصار عن درعا التي تعيش أوضاعًا مأساويَّة، فإن الكويتيين يرون أنه كان من الحريِّ بالسفارة السوريَّة الترحيب بالقافلة الإنسانيَّة الكويتيَّة وليس رفضها.

أما على المستوى الدولي فقد بدأ الخناق يضيق على نظام بشار، فقد أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكيَّة هيلاري كلينتون أن "إجراءات إضافيَّة" ستتخذ في الأيام المقبلة ضدّ النظام السوري.

أما وزيرة خارجيَّة الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون فقد وصفت الوضع في سوريا بأنه "يثير قلقًا كبيرًا"، وأن الاتحاد الأوروبي يبحث ما يمكنه القيام به، وأنه من الملحّ للغاية أن تتحرك الحكومة السورية تحت طائلة أن يقوم المجتمع الدولي بالنظر في كل الخيارات.

ومن جانبه فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أن هناك غالبيَّة أصوات "بصدَد التشكل" في الأمم المتحدة لإدانة سورية، والعائق هو التهديد باستخدام الفيتو من قبل روسيا أو الصين.

وعلى المستوى السوري الداخلي فالأمور تتطور لدرجة أن يدعو ناشطون إلى إضراب عام، وهي دعوة تعبر عن تنامي الثورة وتطورها، وقد انطلقت الدعوة للإضراب دعمًا للمدن المحاصرة وتضامنًا مع شهداء ثورة الشباب السوري في كل مكان، وأيضًا حتى يتمَّ ترسيخ مبدأ السلميَّة والنضال المدني في تحركات الثورة ضدّ رواية المسلحين السلفيين التي يروِّج لها إعلام النظام.

وعلى خلفيَّة هروب بعض الجنود السوريين إلى لبنان، ظهرت دعوة من داخل سوريا لحماية أي منشق عن النظام، وحماية جميع من عصا أوامر النظام في قتل أبناء الشعب السوري، ليس لأنهم شهود فقط بل لأنه في هذه الحالة سيزيد عدد من لديهم ضمائر، وآنذاك سيتم التخفيف عن المأمورين من النظام بالقتل لأنهم سيشاهدون أن لهم من يلجؤون إليه، وناشد عدد من المثقفين السوريين الحكومة اللبنانية ألا تسلم الجنود لأنهم لم يفروا من محاربة العدو بل هم تلقَّوا أوامر بقتل إخوتهم وأبنائهم السوريين، ورفضوا الامتثال لهذه الأوامر لأن الجيش لم يشكّل لمحاربة أبناء في الوطن، فهذا الجندي أو الضابط عندما أقسم اليمين لم يكن الهدف حماية السلطة أو النظام بل حماية الوطن وحدوده.

ومن النجاحات التي بدأت تحصدها الثورة السوريَّة أنه على المستوى السوري والعربي بدأ الكثيرون يفيقون ويعرفون إلى أي حدٍّ يوظف النظام السوري ملف الجولان المحتلة توظيفًا في غير محله، وبدأ الكثيرون يدركون أن السلطات السوريَّة كانت وراء المواجهات التي جرت على جبهة الجولان التي بقيت هادئة قرابة أربعة عقود، وأن النظام قد استفاد منها لكي يصرف الأنظار عن الانتفاضة السوريَّة، وهي الحدث الرئيسي، خاصة وأن الفلسطينيين لا يستطيعون أن يتحركوا من تلقاء أنفسهم في سوريا، لأن أجهزة الأمن تراقب وتحدِّد وتوجِّه، ولو أن النظام السوري في حال مختلفة لما كان سمح لهم بالدخول إلى الجولان.

لقد تَمَّ كسر حالة الهدوء التي سادت على طول الحدود بين سوريا وإسرائيل، عندما اقتحمَ المئات من الفلسطينيين والسوريين السياج الذي يفصل بين البلدين في مرتفعات الجولان وقيام الجيش الإسرائيلي بقتل أربعة أشخاص، وفي وقت اندلعت فيه تلك الاشتباكات عن طريق الفلسطينيين الحريصين على إحياء ذكرى النكبة، فإن النظام السوري كان وراءها لكي تكون له اليد العليا في مواجهة الثورة المشتعلة.

وفي النهاية، فإن نجاح الثورة السوريَّة مرهون بقوة إرادة السوريين أنفسهم وطول نفسهم وصبرهم، ومرهون أيضًا باشتراك القطاعات التي لم تشتركْ في الثورة حتى الآن؛ فالمعارضة السورية ما زالت لم تنخرطْ بالشكل المطلوب في الثورة، والتنسيق بينها غير موجود، وما زالت قطاعات من المثقفين والنخبة خائفة ومرتعشة، ولن تنجح الثورة إلا إذا وصلت إلى الكتلة الحرجة وهي اشتراك نسبة لا تقلُّ عن 20% من السوريين بشكلٍ كامل في الثورة، وهو الدرس المستخلص من الثورة المصريَّة.

إن علماء الدين والدعاة وخاصة في دمشق وحلب لم يشاركوا في الثورة حتى الآن، وهو موقف غير مقبول منهم، أما الأكاديميون والمثقفون والفنانون فلا يصح أن تتضامن الشعوب الأخرى مع الثورة السوريَّة في حين يتقاعسون هم عن دور وطني مفروض عليهم أن يقوموا به قبل الآخرين. الثورة السوريَّة اجتازت أصعب المراحل وأخطرها، وفي حال استمرارها فإنها لن تكون هي الطرف الذي يتعرَّض للضغوط، فنظام بشار هو الذي سيتعرض لضغوط متزايدة يومًا بعد يوم، عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

استمرار الثورة السوريَّة سيجعل الجميع ينصرفون من حول نظام بشار القمعي بالتدريج، وقد بدأت ملامح ذلك في فتور وتوتر العلاقات القويَّة مع تركيا.

وبمرور الوقت مع استمرار زخم الثورة سيتساقط جميع المستفيدين من النظام البعثي الحاكم، وعندها سيكون الإعلان عن نجاح الثورة السوريَّة.


الكاتب :-السيد أبو داود

الجمعة، 20 مايو، 2011

القوة العظمى الانفرادية - مقال الدكتور عبدالله النفيسي

The lonely Superpower هذا عنوان لمقالة نشرها البروفسور صمويل هنتنجتون S.Huntington في المجلة الأمريكية ذائعة الصيت «الشؤون الخارجية Foreign Affairs» وهنتنجتون هو بروفسور في جامعة هارفرد ويشغل منصب رئيس أكاديمية هارفرد للدراسات المحلية والدولية ومدير معهد الدراسات الاستراتيجية في الجامعة.

ينتقد هنتنجتون في هذه المقالة سياسات الولايات المتحدة في العالم أجمع ويهاجم بشدة نزعة التفرد الأمريكي في قيادة العالم ونكهة الاستاذية في تصريحات القادة او المسؤولين الأمريكان وكأن بقية العالم مجرد تلاميذ عندهم او اتباع لهم.

يقول هنتنجتون ان هذا الأمر في حد ذاته سيحول الولايات المتحدة ـ مع الوقت ـ الى دولة وحيدة تعاني من العزلة الدولية حتى لو تملكت ترسانة عسكرية ضخمة ووزعت اعاناتها المالية هنا وهناك في العالم الثالث فهي ستظل قوة مكروهة او «ليست لطيفة كثيرا» حسب تعبيره. وفيما تقوم الولايات المتحدة ـ يقول هنتنجتون ـ بشجب واتهام بلدان اخرى واعتبارها «دولا شريرة ومارقة» فإنها ـ أي الولايات المتحدة ـ تتحول في نظر بلدان عديدة الى «قوة عظمى شريرة».

ويستشهد هنتنجتون بالسفير والدبلوماسي الياباني البارز هيساشي أوادا وهو الذي يقول: [ان الولايات المتحدة تنتهج اليوم سياسة الانفراد العالمي global unilateralism وتعمل على توسيع مصالحها الخاصة على حساب مصالح الآخرين]. إن خطايا الولايات المتحدة عديدة لكن من أهمها وأخطرها: اعتدادها المفرط بقوتها العسكرية ومركزية تفكيرها حول ذاتها وجشعها الذي لا يحتمل ولا يطاق.

يرى ريتشارد هاس R.Hass (مسؤول ملف الخليج العربي في ادارة بوش الأب» ان على الولايات المتحدة ان تتصرف وكأنها عمدة المدينة العالمي global Sheriff. لو تم تنزيل هذه الانتقادات على ادارة بوش الابن الحالية لانطبقت عليها بحذافيرها، بل ان بوش الابن صيغة أكثر تطرفا في هذا المجال اذ لديه أسباب كثيرة تدفعه لأن يشن حروبا خارجية بغية اشغال الجمهور الأمريكي والاعلام الأمريكي والمؤسسات التشريعية الأمريكية بفكرة «العدو الخارجي» حتى لا يتسع الوقت لمساءلته التي لم تبدأ بعد بشكل جدي عن الاختراق الأمني الكارثي الذي تعنيه عملية مانهاتن 11/9/2001، ان التسريبات المعلوماتية هذه الأيام في الاعلام الأمريكي حول هذا الموضوع تشير الى ان هناك جهات بدأت تنشط داخل الولايات المتحدة لجر بوش الابن للمساءلة التي كان ينبغي ان تبدأ منذ أكثر من سنة مضت.

الكاتب:- الدكتور عبدالله النفيسي

خامنئي ونجاد يتصارعان على.. مصر وليبيا !

الشرق الأوسط اللندنية 16-جمادى الثانية-1432هـ / 19-مايو-2011م

خلافات قوية بين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وانقسامات عميقة بين القيادات الإيرانية حول السياسة الخارجية التي يجب اتباعها خصوصا تجاه الدول العربية.

هذه تكشف ثلاث حقائق: الجهد الإيراني ضد الغرب، عمق النزاعات الداخلية بالنسبة إلى التوجهات، والخوف الحقيقي من القلاقل المقبلة على إيران. كما أنها تبين أن إيران تبني سياساتها لدعم مصالحها، وليس انطلاقا من المبادئ، وكل فريق في القيادة يأمل ألا يجد الغرب مفرا من «اللجوء» إلى الجلوس حول طاولة حوار مع إيران حسب شروطها. فبينما ينتظرون في لبنان سقوط الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي (هناك ثأر قديم على علاقة باختفاء الإمام موسى الصدر)، نجد أن إيران (خامنئي) تقرر دعم القذافي، فقط لتوريط الغرب، ولإشغاله بعيدا عن سوريا.

وبينما رحبوا في لبنان بالثورة المصرية، واستقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري المرشد الأعلى للإخوان المسلمين محمد بديع، يقرر أحمدي نجاد والمتشددون من قادة «الحرس الثوري» عدم استئناف العلاقات الدبلوماسية مع مصر إلا حسب الشروط الإيرانية.

يعود جوهر الخلاف ما بين الرئيس والمرشد الأعلى إلى سبب أيديولوجي صرف. يعتقد أحمدي نجاد، التلميذ البار لآية الله مصباح يزدي، أن مهمته الوحيدة تهيئة الظروف لعودة الإمام الغائب المهدي المنتظر. وكانت لافتة ملاحظة اصفنديار رحيم مشائي: «إن الرئيس يبذل جهده لإعادة المهدي بأسرع وقت ممكن». وهذا عكس فكرة مفهوم «ولاية الفقيه» والمرشد نفسه. ومجرد اضطرار أحمدي نجاد، إلى القول عندما عاد «إلى العمل» في الأول من مايو (أيار) إنه يدعم المرشد ومفهوم «ولاية الفقيه» يكشف أن هناك علامة استفهام كبرى حول ولائه للمفهوم الأساسي للجمهورية الإسلامية.

يبدو أن أحمدي نجاد لا يدرك أحيانا من هو القائد في إيران الذي يتخذ كل القرارات المهمة. ويحاول أن يجرّب ليعرف رد الفعل. فعل هذا الأمر عندما أصر على تعيين مشائي، وعندما طرد وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، وأخيرا عندما أقال ثلاثة وزراء من حكومته رغم مقاومة علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى وآخرين.

الاستياء الذي يحسّه خامنئي تجاه أحمدي نجاد، يذهب بعيدا جدا. صار خامنئي يشعر بأن أحمدي نجاد هو السبب الرئيسي لقلاقل محتملة قد تصل إلى إيران تتمة لما يجري في الشرق الأوسط. ويشعر بأن هناك مشكلة في شرعية أحمدي نجاد بعد الانتخابات الأخيرة، وهي قد تكون أيضا سببا متجددا لمظاهرات جديدة، وصار يفكر في إقالة الرئيس كوسيلة لإعادة الاستقرار إلى الوضع السياسي. وحسب مصادر إيرانية موثوقة، فإن خامنئي يجد أن أفضل مخرج هو إجبار أحمدي نجاد على الاستقالة، ولهذا بدأ يتدخل أخيرا في عمل الحكومة. وتضيف المصادر: «إن المرشد قلق من اللااستقرار ولهذا هو مستعد للتضحية بالرئيس».

الصراع بين الاثنين اتخذ منحى جديدا إلى ما هو أسوأ عندما تجاهل خامنئي، وعن قصد أحمدي نجاد، وهذه المرة في ما يتعلق بتدخل إيران في ليبيا.

خلال اجتماع عقد قبل عدة أسابيع مع أقرب مستشاريه قرر خامنئي أن يدعم القذافي. في تلك الأثناء كان أحمدي نجاد معكتفا ومقاطعا كل الاجتماعات. إجراء المرشد الأعلى كان القصد منه تقويض أحمدي نجاد لأن الأخير، وفي اجتماع تنفيذي سابق شارك فيه، عبر عن معارضته لأي تدخل إيراني في ليبيا.

وتعمل القوات التي تحت إمرة قاسم سليماني (قائد قوات القدس) لتنفيذ خطة نقل أسلحة ومعدات خفيفة إلى ليبيا عبر السودان تتضمن 45 صاروخا متحركا مضادا للطائرات (لتهديد طائرات الأطلسي) وتهيئة 80 عنصرا من «فيلق القدس» لتقديم الدعم على الأرض.

الخطة الأساسية وضعها رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي، بغية إطالة القتال في ليبيا، وإيجاد ما يمكن تسميته «المستنقع الجديد» في المنطقة، الذي من شأنه إلحاق أضرار اقتصادية وسياسية بالقوى الغربية.

قدم جليلي خطته مباشرة إلى خامنئي (حسب طلب الأخير) من دون أن يقدم تفاصيلها إلى أحمدي نجاد، وأضاف في توضيحاته، الحاجة إلى إبعاد الانتباه عن سوريا وحلفاء إيران الآخرين من خلال ضمان منطقة الصراع الدائر في ليبيا.

المصادر الإيرانية أكدت غضب أحمدي نجاد عندما علم بقرار خامنئي استثناءه من عملية اخذ القرار، ورد بأن كبار ضباط الأمن قدموا حجة قوية لدعم الثوار المسلمين في ليبيا، «وحتى لو أن حيدر مصلحي رفضها، ما كان على خامنئي هو الآخر أن يرفض هذا الطرح». علما أن طرد مصلحي وإعادة تثبيته كرئيس لجهاز الاستخبارات من بين أسباب الخلاف بين المرشد والرئيس. لكن خامنئي قال إن إيران ستدعم علنا كل حركات التمرد في المنطقة لأنها «يقظة إسلامية»، إنما من واجب إيران مقاومة «كل انتهاك» أميركي وأوروبي، والقذافي يحتاج إلى الدعم العسكري لتحييد التعزيزات الغربية للثوار.

هناك انقسام آخر في القيادة الإيرانية. إذ رفض المرشد الأعلى «رفض» أحمدي نجاد وضباط من «الحرس الثوري» تطبيع العلاقات مع مصر، شارحا أن إعادة العلاقات تساهم في نشر الثورة الإيرانية وتهريب الأسلحة إلى الفلسطينيين في غزة. بناء على تعليمات أحمدي نجاد، وجه عناصر متشددون في «الحرس الثوري» رسالة إلى المرشد الأعلى يشددون فيها على ضرورة أن تستغل إيران الأحداث في العالم العربي من أجل تجديد جهودها لتصدير الثورة الإسلامية، وأكدوا على ضرورة تجنب اتخاذ إجراءات تصالحية تجاه «أعداء الثورة» وطالبوا بأن تتوقف فورا كل الاتصالات ما بين وزارة الخارجية الإيرانية ومسؤولين مصريين التي تهدف لإحياء العلاقات بين إيران ومصر.

في الرسالة، التي نالت موافقة آية الله مصباح يزدي، كتب الضباط المتشددون من الحرس الثوري، أن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع مصر قبل أن توافق على الطلبات التي تصر عليها القيادة الإيرانية منذ انتصار الثورة حتى اليوم، لإبطال اتفاقيات «كامب دايفيد»، سيُعتبر استسلاما إيرانيا، وهذه سابقة خطيرة للعلاقات الإيرانية مع بقية العالم العربي والعالم الإسلامي.

في الرسالة، أشار عناصر «الحرس الثوري» إلى إدراكهم للاعتبارات السياسية الإيرانية وما يمكن أن يعود بالفائدة لإيران، من حرية التحرك في مصر، ودعم الفلسطينيين ونشر الثورة، لكنهم أوضحوا، أن كل هذا لا يبرر التخلي عن القواعد والقيم التي سارت عليها إيران لسنوات طوال، تجاه مصر.

كما عبروا، في الرسالة، عن رفضهم الشديد للدعوات التي صارت تسمع في طهران، لتغيير اسم شارع خالد الإسلامبولي، الذي حسب تعريف هؤلاء، أصدر الأمر بقتل الرئيس المصري أنور السادات أو لنزع صورة كبيرة له عن أحد المباني وسط طهران.

جاء رد مكتب المرشد الأعلى بدعم تجديد العلاقات مع مصر، مشيرا إلى أن التطورات الأخيرة في العالم العربي بشكل عام، وفي دول الخليج بشكل خاص تدفع إيران إلى استغلال كل فرصة لتعزيز قبضتها على العالم العربي. وعن مصر، أشار إلى أن الدولة السنّية الكبيرة، تُعتبر الدولة الأهم لتعزيز السياسة الخارجية الإيرانية، ومن الضروري أن تساهم إيران في تشكيل مستقبل «الثورة المصرية».

وأكد خامنئي، أن المكاسب من تجديد العلاقات مع مصر، تفوق بأضعاف الخسائر، خصوصا أنه سيتاح لإيران التحرك بحرية من مصر لنشر المذهب الشيعي في العالم العربي عامة وفي أفريقيا خاصة، ثم إن إيران ستستمر في كسب التأييد، من خلال مواصلة نقل السلاح إلى الفلسطينيين.

الخلافات في القيادة الإيرانية هي حول كيفية التدخل في الشؤون الداخلية للعالم العربي وليست بين فريق يدعو إلى التوقف عن هذا الأمر وآخر يدعو إلى مواصلته. لأن نجاح إيران في هذه التدخلات يعطيها اليد العليا في تعاملها مع الغرب، ويوسع آفاق نفوذها أفريقيا، فتنجح حسب اعتقاد القيادة هناك في إعادة تشكيل «الكماشة» وتقويتها.

الكاتب :- هدى الحسيني


جرائم وغدر الشيعة الاثني عشرية بالمسلمين عبر التاريخ

خاص بالبينة 16 من جمادى الآخرة 1432هـ / 19 من مايو 2011م

مَثَلُ القوم نَسَوْا تاريخهم كَلَقيطٍ عي في الناس انتسابًا.

سلوا التاريخ من الذي تآمر مع التتار؟ حتى استولوا على بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم، وقتلوا معه -غدرا وفي ساعة واحدة- مائتي وألف شخصية من العلماء والوجهاء والقضاة، واستمرت المذابح فيها بضعا وثلاثين يوما، قتل فيها حوالي ثمانمائة ألف مسلم ومسلمة؟. ومن الذي تسبب في انحسار المد الإسلامي العثماني؟ في أرجاء أوروبة، وطعن الخليفة العثماني في ظهره بزحفه على عاصمة الخلافة بينما كان يتغلغل بجيوشه في أحشاء النمسا إلى أن دخل قلب "فيينا"، وكادت أوربا تدخل في حظيرة الإسلام لولا اضطرار الجيش العثماني إلى الانسحاب والرجوع إلى الرافضة لدحرهم ودفعهم؟.

"ومن الذي تحالف مع ملك المجر ضد الدولة العثمانية؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: "كانوا من أعظم الأسباب في استيلاء النصارى قديما على بيت المقدس حتى استنقذه المسلمون منهم. ومن الذي سلم أرض المسلمين في باكستان الشرقية لقمة سائغة للهندوس؟ حتى يقيموا عليها الدولة المسخ "بنجلاديش"؟ يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير: "وهاهي باكستان الشرقية ذهبت ضحية بخيانة أحد أبناء "قزلباش" الشيعة يحيى خان في أيدي الهندوس وقد عارض شيوخ الشيعة في باكستان تطبيق الشريعة الإسلامية، وقال زعيم مفتي جعفر حسين في مؤتمر صحفي بأن الشيعة يرفضون تطبيق الحدود الإسلامية، لأنها ستكون على مذهب أهل السنة. (الأنباء الكويتية في 1/5/1979م الدولة الصفوية ترعرعت بشيعة لبنان ولا ينكر هذا حسن نصر الله، وهي التي ذبحت أهل السنة في الدولة الصفوية التي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي، فُرِض التشيع الاثنى عشري على الإيرانيين قسرا وجُعل المذهب الرسمي لإيران، ولقد أعمل سيفه في أهل السنة، وكان يتخذ سب الخلفاء الثلاثة وسيلة لامتحان الإيرانيين، فمن يسمع السب منهم يجب عليه أن يهتف قائلاً: "بيش باد كم باد"، هذه العبارة تعني في اللغة الأذربيجانية أن السامع يوافق على السب ويطلب المزيد منه، أما إذا امتنع السامع عن النطق بهذه العبارة قطعت رقبته حالا، وقد أمر الشاه أن يعلن السب في الشوارع والأسواق وعلى المنابر منذرا المعاندين بقطع رقابهم.

وكبير شيوخ لبنان الكركي الذي يلقبه الشيعة بالمحقق الثاني والذي قربه الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل وجعله الآمر المطاع في الدولة فاستحدث هذا الكركي بدعا في التشيع فكان منها "التربة التي يسجد عليها الشيعة الآن في صلواتهم، فقد ألف فيها رسالة سنة 933هـ وهو "مخترع الشيعة" وقد ألف رسالة في لعن الشيخين -رضي الله عنهما- سماها "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت" ويقال: إنه هو الذي شرع السب في المساجد أيام الجمعة فليهنأ حسن نصر الله بشيوخه من الرافضة الذين أقاموا الدولة الصفوية، التي تعاونت مع الأعداء من البرتغال ثم الإنجليز ضد المسلمين وتشجيعها لبناء الكنائس ودخول المبشرين والقسس مع محاربتهم للسنة وأهلها.

وما يقول حسن نصر الله في أسياده بطهران الذين لم يسمحوا ببناء مسجد واحد لأهل السنة حتى اليوم على الرغم من أنها تضم على مرأى ومسمع من الحكومة الإيرانية اثني عشر كنيسة، وأربع معابد يهودية وعددا من معابد المجوس عبدة النار؟ أمام الحقائق ينهار هذا المديح الفارغ، لنعد إلى الوراء قبل أن نتكلم عن حلم حزب الله بتكوين دولة تقوم على تبني المذهب الجعفري الاثني عشري منهجا ونظاما.

إن العلاقة بين لبنان وإيران علاقة متميزة على اختلاف مراحلها الزمنية، "فحين استولى الصفويون على حكم إيران في مطلع القرن السادس عشر وجعلوا من التشيع الإمامي دين الدولة والأمة، كان التشيع يذوي ويتلاشى، سواء في مدارس النجف أو في مدارس خراسان، فعمد الشاه إسماعيل إلى استقدام علماء من جبل عامل جنوب لبنان- لتدريس الفقه الإمامي، فكان منهم: بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد الذي أصبح شيخ الإسلام في أصفهان على عهد الشاه عباس الكبير، وكان منهم أيضًا علي بن الحسين العاملي المعروف بالمحقق الكركي الذي روج المذهب وبالغ في ذلك بحيث لقبه بعضهم بمخترع مذهب الشيعة"، ومنطقة جبل عامل (أو عاملة) في قلب جنوب لبنان كانت أهم مرجعية شيعية في العالم بين القرنين الميلاديين الرابع عشر والسادس عشر، ومع بداية هذا التعاون مع الدولة الصفوية أبيد الآلاف من أهل السنة من العامة والعلماء، ففي تبريز العاصمة وحدها كان السنة فيها لا يقلون عن 65% من السكان، وقد قتل منهم في يوم واحد 40 ألف سني كما أجبر الألوف على التحول القسري إلى مذهب الإمامية، كما كانت هناك مؤامرات عديدة وتعاون مع قوى غربية على إسقاط الدولة العثمانية، وهي من الأمور غير الخافية عبر التاريخ.

"وقد استهوت التجربة الصفوية الشيعية -المضطهدين- في العراق وجبل عامل -جنوب لبنان- والبحرين، وذهب العلماء بالخصوص ليدعموا تأسيس الدولة الشيعية (الصفوية) الوليدة".

- أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين

لقد كان للحركات الباطنية الشيعية -من النزارية- الحشاشين والفاطميين المستعلية. والنصيرية-والدروز- أكبر الأثر في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين. وكان لقلاعهم في الشام "قلعة المرقب" وقلعة الخوابي، وقلعة صهيون، وقلعة المينقة، وقلعة بانياس ووادي التيم، وجبل الشوف، وجبل عالية- دور كبير في خيانة المسلمين، ولقد عاونوا الصليبيين على احتلال بلاد الشام وساعدوهم في ذلك، واغتالوا خلفاء المسلمين وعلماءهم وقوادهم، فقتلوا الخليفة المسترشد العباسي سنة 529هـ وقتلوا الخليفة الراشد العباسي سنة 532هـ وقتلوا الوزير نظام الملك سنة 485هـ وقتلوا الوزير أبا المحاسن عبد الجليل سنة 495هـ وقتلوا أبا طالب السميري الوزير سنة 516هـ وقتلوا الوزير معين الملك "أبا نصر" وقتلوا الوزير عضد الدين أبا الفرج وقتلوا الوزير نظام الملك مسعود بن علي وقتلوا الوزير فخر الملك أبا المظفر علي بن نظام الملك.

وقتلوا من الفقهاء: الفقيه أحمد بن الحسين البلخي، وأبا القاسم ابن إمام الحرمين، والفقيه عبد اللطيف بن الخجندي، والفقيه أبا المحاسن الروياني، ومن القضاة: القاضي عبيد الله بن علي الخطيبي، والقاضي صاعد بن عبد الرحمن أبا العلاء، والقاضي أبا سعد محمد بن نصر الهروي، ومن الوعاظ أبا جعفر بن المشاط، والواعظ أبا المظفر الخجندي، ومن السلاطين: قتلوا السلطان داود بن السلطان محمود، والسلطان بكتمر، ومن الأمراء الأمير بلكابك سرمز سنة 493هـ والأمير أحمد بن إبراهيم الروادي، والأمير تاج الملوك بوري بن طغتكين، والأمير آقسنقر الأحمديلي، والأمير أغلمش، والأمير شهاب الدين الغوري، والأمير جناح الدولة حسين، والأمير خلف بن ملاعب، والأمير شمس الملوك إسماعيل بن بوري، والأمير برسق الكبير.

ومن قادة المجاهدين ضد الصليبيين قتلوا الأمير مودود صاحب الموصل، قتلوه بعد فراغه من صلاة الجمعة في مسجد دمشق وهو صائم، وجاء كتاب من الفرنج إلى المسلمين فيه: "إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها". وقتلوا قائدا آخر من قادة الجهاد ضد الصليبيين وهو الأمير قسيم الدولة آقسنقر البرسقي سنة 520هـ قتلوه في المسجد الجامع بعد صلاة الجمعة، وحاولوا قتل صلاح الدين الأيوبي سنة 570هـ داخل معسكر جيشه، ومرة أخرى سنة 571هـ وهو محاصِر لحلب، وحاربوا صلاح الدين ونور الدين محمود زنكي، وتحالفوا مع الفرنجة أيام أن كانت لهم دولة في مصر وهي الدولة الفاطمية.

وماضي منظمة أمل الشيعية التي خرج منها "حزب الله" أسود، فلقد: قتلوا المئات من الفلسطينيين وأهل السنة في المخيمات الفلسطينية بداية من 20/ 5/1985/م وحتى 18/6/ 1985م ودفعوا أهل السنة من الفلسطينيين لأكل القطط والكلاب، وفعلوا ما لم تفعله إسرائيل وسقط من الفلسطينيين 3100 بين قتيل وجريح، وذبحوهم من الأعناق واغتصبوا النساء وهذا نقدمه بداية لكلامنا عن "حزب الله" الذي انبثق عن منظمة أمل وخرج من عباءتها، هذا هو حزب الله!! وهذا هو نصر الله!!

لله ثم للتاريخ، نكتب هذا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قراءة أقدمها بين يديكم مما عرفته وقرأته عن تاريخ الشيعة، وللحديث بقية لمن أراد مني أن أكمل فله الشكر، ومن أرادني أن أصمت فعليه إغلاق المتصفح.

الكاتب:- محمد الأمين

sdig-alro7@hotmail.com

الخميس، 19 مايو، 2011

عملية دهس شرطة البحرين تحمل بصمات حزب الله

صرّح مصدر أمني مسؤول لموقع "العربية.نت" طلب عدم الكشف عن اسمه أن التحقيقات الأولية تؤكد أن منفذ عملية الدهس التي استهدفت 9 من أفراد الشرطة البحرينية حصل على مباركة دينية من أطراف متطرفة للقيام بعمليته التي وصفها المصدر بـ"الانتحارية" لكون السائق لم يتوقف رغم التحذيرات والتعامل الأمني بإطلاق النار في الهواء مما يثبت وجود النية المبيتة للاغتيال والقتل.

وعن مرجعية تلك المباركة الدينية، يشير المصدر أنها تعود لأحد قيادات حزب الله وسيتم الكشف عن الأسماء بعد انتهاء التحقيق، مشددًا على أن السيارة التي شككت مواقع مقربة من المعارضة بعدائيتها تعود لأحد أفراد عائلة المنفذ.

وأوضح المصدر أن وزارة الداخلية قد رصدت العديد من المراسلات بين بعض "المتطرفين البحرينيين" وقيادات في حزب الله اللبناني وبعض الأحزاب المقربة من إيران، مشيرًا إلى أن تطور الأحداث وطريقة تحرك بعض الأطراف المعارضة تؤكد علاقة تنظيمية تربطهم بحزب الله.

وكانت عملية الدهس قد أثارت كثيرًا من بيانات الشجب والاستنكار من قبل الجمعيات السياسية بينما اكتفت جمعية الوفاق الشيعية المعارضة بالصمت ولم تعلق على الحادث حيث انشغلت أجهزتها الإعلامية في تغطية مجريات محاكمة المتهمين بقتل اثنين من أفراد الشرطة البحرينية في عملية دهس سابقة.

وقال الباحث والكاتب سعيد الحمد لـ"العربية.نت": "إن مثل هذه العمليات الإجرامية ليست لها علاقة بسلوك أهل البحرين، والبلاد لم تشهد أي نوع مشابه من هذا السلوك العدائي والهمجي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي".

وأردف: "العملية تحمل بصمات حزب الله الذي بات من المؤكد أن لديه خلايا نائمة وأعتقد أن العملية كانت ستتأخر بالحدوث إلى ما بعد انتهاء فترة السلامة الوطنية (الطوارئ) إلا أن الشحن الطائفي من حزب الله ومن إيران ساهم في التنفيذ المبكر".

يذكر أن ظاهرة استخدام السيارات لعمليات الدهس انتشرت في البحرين خلال فترة التوتر الأمني الذي شهدتها المملكة في شهري فبراير/ شباط - ومارس/ آذار المنصرمين.

المصدر :- الأرشيف الاخباري

الأربعاء، 18 مايو، 2011

ابن خال الأسد إذ يلوّح للغرب بأمن "إسرائيل" !

موقع الإسلام اليوم 11 من جمادى الآخرة 1432هـ / 14 من مايو 2011م

الرئيسُ الذي نتحدث عنه هو الرئيس السوري بشار الأسد، وابن خاله هو الملياردير رامي مخلوف (41 عامًا) الذي يشير إليه السوريون بوصفه عنوان الفساد في البلاد (الفساد الاقتصادي بالطبع).

يبدو أن النظام السوري المقاوم والممانع لم يشأْ أن يبعث برسائله الإشكاليَّة عبر واحد من رموزه الكبار، فتكفَّل بها صاحبنا الملياردير، لا سيَّما أنه كان واحدًا من الشخصيات التي فُرضت عليها العقوبات الأوروبيَّة، مما قد يتسبَّب بأضرار لبعض استثماراته، ونقول بعض، لأنه يركز استثماراته داخل سوريا، مع أن أمثاله لا حدود لأعمالهم.

رسالة النظام عبر رامي مخلوف جاءت من خلال مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكيَّة، وكانت كالتالي: "إذا لم يكن هناك استقرار داخلي هنا (في سوريا)، فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار في إسرائيل، لا يوجد طريقة ولا يوجد أحد يضمن ما الذي سيحصل بعد إذا لا سمح الله حصل شيء لهذا النظام".

وردًّا على سؤال إن كان يعني التهديد أم التحذير قال: "لم أقل حربًا، ما أقوله هو: لا تدعونا نعاني، لا تضعوا الكثير من الضغوط على الرئيس، لا تدفعوا سوريا إلى فعل شيء لا ترغب في فعله".

ليس ما قاله رامي مخلوف بدعًا من الكلام بالنسبة للحكام، ذلك أن جميع الأنظمة العربيَّة تعلم تمامًا أن لا شيء يحرك قلب أمريكا والغرب كما تحرِّكه مصالح الدولة العبريَّة في هذه المنطقة، وقد سبق لمعمر القذافي أن قال مثل هذا الكلام من أجل مساومة أمريكا والغرب، لولا أن ليبيا بعيدة عن حدود الكيان الصهيوني، مع أن واشنطن تحديدًا لم تحسمْ إلى الآن موقفها من العقيد لاعتبارات كثيرة من بينها موقف تل أبيب.

تأتي تصريحات ابن خال الرئيس على خلفيَّة الجدل الذي يندلع في الدولة العبريَّة حول ما يجري في سوريا، وإن كان ينطوي على بعض المخاطر عليها أم لا، وهنا بالطبع تنهض جملة من المقاربات، من دون أن نعثر على مقاربة واضحة ومحسومة تُجمع عليها الدوائر السياسيَّة والأمنيَّة والعسكريَّة، لكن بروز مخاوف إسرائيلية من قيام الأسد بمغامرة ما حيال "إسرائيل" من أجل التخلص من وضعه البائس في الداخل هي التي دفعت رامي مخلوف بإيحاء من ابن عمه (الرئيس) إلى إطلاق هذه التصريحات، مع أننا نشك كثيرًا في قابلية النظام لفعل ذلك، لا سيَّما أن شيئًا كهذا لن يدفع السوريين إلى تجاهل مطالبهم في التغيير، حتى لو أجلوها بعض الوقت تبعًا لتلك المغامرة.

الجزء الآخر من الجدل الإسرائيلي يتعلق بالبديل المحتمل للنظام الحالي، وحيث يختلف الإسرائيليون هنا أيضًا، ويميلون إلى أن النظام التالي لن يكون أفضل من نظام الأسد لجهة سياسته الخارجيَّة، مع احتمال أن يكون أسوأ، وبالطبع لأن السوريين في مجملهم يميلون إلى المواقف القويَّة حيال دولة الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن دعم التغيير في سوريا يشكِّل مغامرة في سائر الأحوال، وعمومًا يقول لسان حال الإسرائيليين: إن نظامًا تعودنا عليه خير من نظام مجهول الهويَّة قد يكون أسوأ في حال كان ديمقراطيًّا يعبّر عن مواقف شعبه.

كل ذلك يؤكِّد أن النظام لم يكن مخلصًا في مقاومته وممانعته، بقدر ما كان يعبر عن مصالح نخبته الحاكمة التي رأت أن كلفة المقاومة والممانعة أقل من كلفة الاستسلام كما كان يردد الرئيس السوري نفسه، الأمر الذي كنا ندركه بالطبع، من دون أن يدفعنا إلى التردد في مديح تلك المواقف قياسًا بمواقف أنظمة أخرى كانت تذهب في الاتجاه الآخر، ومن أجل مصالح نخبها الحاكمة أيضًا.

اليوم تبدو تصريحات رامي مخلوف محرجةً إلى حدٍّ كبير للتيارات التي تدافع عن النظام وتقف معه في معركته مع شعبه، وفي مقدمتها حزب الله ومن يدور في فلكه، فضلا عن جحافل من القوميين واليساريين الذين لا يستحون من دفاعهم عن قتل النظام لأبناء شعبه، فضلا عن ترديد حكاية المؤامرة الخارجيَّة، لكأن النظام هو وحده عنوان الوطنيَّة والقوميَّة، بينما السوريون مجرد جحافل من العملاء والمأجورين.

إنه منطق النخب الحاكمة التي تعلن استعدادها لحرق الأخضر واليابس من أجل مصلحتها بعد أن جمعت الثروة مع السلطة، وفي هذا الصدد يقول مخلوف في ذات المقابلة: إن النخبة الحاكمة في سوريا قد تكاتفت أكثر بعد الأزمة

 ((لا يريد الاعتراف بأنها ثورة مع أن كلامه يعكس ذلك)، مضيفًا: "نؤمن بأنه لا استمرارية من دون وحدة، وكل شخص منا يعرف أننا لا يمكن أن نستمر من دون أن نكون موحدين، لن نخرج ولن نترك مركبنا ونقامر، سنجلس هنا، نعتبرها معركة حتى النهاية" وفي النهاية يعود إلى الدولة العبرية ليقول للغرب: "يجب أن يعلموا أننا حين نعاني، فلن نعاني وحدنا".

تلك هي رسالة النظام عبر مليارديره المدلل، فهل يستمع إليها الغرب؟

 ثم هل سيكون بوسعه (أي الغرب) الحيلولة بين الشعب السوري وبين نَيْل حريته؟

 ألم يحاولوا ذلك مع نظام مبارك ففشِلوا، مع أنه كان الأكثر حرصًا على مصالح الكيان الصهيوني؟

الكاتب :- ياسر الزعاترة

أميركا وتركيا وإيران... الشرق الأوسط القادم !

بلدان مسلمان في الشرق الأوسط مؤهلان لنسج علاقة متميزة مع الولايات المتحدة في إطار مثلث استراتيجي يحقق الأهداف الأميركية من جهة ويطلق إمكانات البلدين للانفتاح على العالم ويشحذ قدراتهما الذاتية في بيئة جديدة تتسم بنبذ أحقاد الماضي ومشاكله والتركيز على المصالح، من جهة ثانية.

 وبالطبع لن يتم هذا حسب الكاتب الأميركي ومراسل "نيويورك تايمز" السابق في الشرق الأوسط، "ستيفين كينزر"، إلا بتخلي أميركا عن سياستها الحالية التي تطغى عليها الانفعالية، والتحلي بمزيد من الواقعية والعقلانية، ليس لاكتساب الأصدقاء، بل لخدمة مصالحها على نحو أفضل. أما البلدان فيذكرهما في عنوان كتابه الذي نعرضه هنا: "إعادة الضبط... إيران وتركيا ومستقبل أميركا".

والكتاب على امتداد صفحاته، دفاع عن فكرة أساسية مفادها أن الوقت حان بالنسبة للولايات المتحدة للتعامل مع المعطيات الجديدة في الشرق الأوسط، ليس على أنها تهديدات ومخاطر، بل فرص جديدة لخدمة المصالح الأميركية وضمان الاستقرار في منطقة تتهددها الكثير من التوترات والاضطرابات، إلى درجة أن الكاتب لا يرى مستقبل أميركا في المنطقة إلا من منظور المثلث الذي تتقاسم أضلاعه الولايات المتحدة وتركيا وإيران، باعتبارها القوى الأقدر على حفظ الاستقرار في الشرق الأوسط.


 لكن ذلك يتطلب من واشنطن أولا ملء الفراغ الاستراتيجي القائم في المنطقة، وتبني رؤية واضحة تبدد حالة الغموض السائدة حالياً، بتغيير سياستها وإعادة النظر في تحالفاتها التقليدية القائمة على إسرائيل وبعض الأنظمة المعتدلة، من أجل أفق جديد من العلاقات ينهي الأحقاد التاريخية مع إيران ويعزز مسيرة طويلة من العلاقات المتطورة مع تركيا، سعياً لبناء نظام جديد في المنطقة يساهم في تسوية نزاعاتها المستمرة، بدءاً بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وليس انتهاء بضمان استقرار لبنان، وتأمين العراق وأفغانستان.

يبدأ الكاتب بتركيا باعتبارها الأقرب إلى أميركا، فهي حليفة سياسية وعسكرية للولايات المتحدة لأكثر من نصف قرن، هذا التحالف الذي وصل أوجه خلال الحرب الباردة عندما كانت تركيا على خط المواجهة مع الاتحاد السوفييتي، لكن تركيا وقتها، يقول الكاتب، ظلت على الهامش، لم تتجاوز أطراف الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وشمال إفريقيا والعالم السلافي، دون أن تكون جزءاً من هذه العوالم، كما أن أنقرة لم تكن تسعى وقتها للعب أي دور في المنطقة، أو حتى في محيطها القريب، بل إن نظرة جيرانها إليها لم تكن إيجابية لارتباطها بالسياسات الأميركية.


 أما في العالم الإسلامي فتم التعامل معها على أنها بلد تخلى عن الدين وابتعد عن قيمه.

هذه النظرة ستتغير مع مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد استرجاع تركيا دورها المركزي مدعومة في ذلك بموقعها الاستراتيجي الذي يمتد بين آسيا وأوروبا، وتاريخها العثماني العريق في المنطقة، فضلا عن نجاحها في الجمع بين الإسلام والديمقراطية.

وقد زاد من هذه القوة الصاعدة التي باتت تمثلها تركيا حالياً دبلوماسيتها النشطة ذات الرؤية الواضحة التي تغلب المصالح عن طريق حل المشاكل العالقة في المنطقة، وهو ما عكسه وزير الخارجية التركي، أحمد داود أغلو، في عبارة "العمق الاستراتيجي" الذي يرى من خلاله تركيا كعنصر نشط في المنطقة ووسيطاً موثوقاً لتحقيق السلام، فكانت المهمة الأولى هي حل الخلافات الإقليمية، وهو ما رحبت به سائر دول الشرق الأوسط، سواء تعلق الأمر بإسرائيل التي لجأت لتركيا عندما أرادت الحديث إلى سوريا، أو فيما يخص تدخلها الإيجابي في العراق بإقناعها السنة الذين قاطعوا الانتخابات البرلمانية الأولى بالمشاركة في العملية السياسية.

 وهي في كل هذه التطلعات تستند الى قدرات ذاتية معتبرة يأتي في مقدمتها العامل الاقتصادي بعد أن أصبحت أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط بعدد سكان يصل سبعين مليون نسمة، وبموروث تاريخي وحضاري عريق، هذا بالإضافة إلى ما تمثله من نموذج للحرية في المنطقة.

بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى إيران التي يمثل وضعها الحالي عقبة أصعب بالنسبة للمثلث الاستراتيجي الذي يستشرف من خلاله مستقبلا محتملا للشرق الأوسط.


 فالعديد من الأميركيين ينظرون إلى إيران باعتبارها العدو الذي يجب إخضاعه، وهي نظرة عاطفية تحركها بعض الحوادث التي كرست العداوة؛ مثل احتجاز الرهائن الأميركيين في طهران، والتدخل الإيراني في لبنان وغيره، وهي نظرة يشببها الكاتب بتلك التي كانت سائدة تجاه ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ليبقى السؤال الذي يتعين على أميركا الإجابة عنه، وهو:-

 هل ينبغي عليها خلال صياغة سياستها الخارجية الاستناد إلى المشاعر والعاطفة أم إلى حساب المصلحة ؟

إيران، شاءت أميركا أم أبت، أصبحت أحد اللاعبين في المنطقة، وقوة إقليمية خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين... وذلك لسببين رئيسيين؛ أولهما سقوط عدوها اللدود في العراق، صدام حسين، وانهيار نظام "طالبان" في أفغانستان.


 ولن تستفيد أميركا من الاستمرار في سياسية العزلة والعقوبات التي تبين أنها غير فعالة. فما تسعى إليه إيران، وهو الاعتراف بها كقوة إقليمية والإقرار بانشغالاتها الأمنية، يمكن للولايات المتحدة توفيره مقابل الحصول على امتيازات يذكر منها الكاتب تهدئة العراق وأفغانستان، وضبط الجماعات المسلحة الأخرى، سواء "حزب الله" أو "حماس"، ومن ثم الحفاظ على أمن إسرائيل.

تاريخ نشر المقال :- 2010-7-17الكاتب :- زهير الكساب
الناشر: تايمز

خطاب أوباما... قراءة استباقية

قبل بضعة أيام أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن أوباما يعتزم إلقاء خطاب آخر مهم يروم "إعادة إطلاق" علاقات أميركا مع العالم العربي مجدداً. ولكنني وجدتُ هذا المقال مثيراً للقلق.

وحسب "مسؤولين أميركيين "لم يُكشف عن أسمائهم" أشار إليهم المقال، "فإن أوباما ينكبّ حاليّاً على بحث طرق لربط الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط الآن بعضها ببعض" (أي ما بات يسمى "الربيع العربي" ومقتل أسامة بن لادن)، و"المخطط الحالي يهدف إلى مواصلة الرئيس تركيزه على التغيرات الكبيرة التي تحدث في العالم العربي، وليس تقديم مخطط جديد محدد لإعادة إحياء محادثات السلام (الإسرائيلية- الفلسطينية)". وعليه، فإن كل ما أستطيع قوله، في ضوء ما ذكر، هو أنني آمل حقاً أن تكون "نيويورك تايمز" قد أساءت فهم الخبر.

والحال أنني أعتقد أن معظم العرب لا يتوقعون من الولايات المتحدة أن "تبارك" الربيع العربي (ما عدا الليبيين الذين يمثلون الاستثناء الوحيد)، مثلما أن معظمهم لا يحتاجون للمساعدة من أجل فهم أهمية هذه اللحظة في التاريخ وعواقبها.


 كما أن العرب لا يتوقعون من الرئيس الأميركي تحليل ظروفهم.

وإذا كانت الأشياء التي يريدونها من أميركا قد تختلف من حيث بعض التفاصيل من بلد إلى بلد، فإن أحد الاهتمامات الرئيسية التي يتقاسمها معظم العرب هو رغبتهم الراسخة في أن تُظهر أميركا زعامة حقيقية في حل المشكلة الفلسطينية.

واستشرافاً لخطاب أوباما المتوقع، سألتُ طيفاً واسعاً من الأصدقاء والمعارف العرب، من ثوريين إلى مثقفين إلى مسؤولين حكوميين، حول ما يريدون سماعه من الرئيس الأميركي، فأخبروني بقائمة متنوعة من المواضيع (الليبيون يريدون السلاح، والمصريون والتونسيون يريدون المساعدة الاقتصادية والاستثمارات من أجل خلق الوظائف اللازمة.. إلخ)، ولكن من بين كل هذه المواضيع تبرز نقطتان تحظيان بالإجماع بخصوص المواضيع التي يأملون أن يتناولها أوباما في خطابه.

فمن جهة، أوضح هؤلاء العرب الذين حاورتهم أن الولايات المتحدة ما زالت تدفع ثمن سياسات عهد بوش، وأن أوباما ما زال يعاني من خيبة أمل "مرحلة ما بعد خطاب القاهرة".


 وهو الخطاب الذي أحيا التوقعات التي لم تتحقق، مما هز الثقة في زعامة الولايات المتحدة. ولذلك، فإنهم يحذرون من "خطاب كبير" آخر يعد بالكثير ولا يحقق إلا القليل. ولأن العنوان الذي سبق خطاب جامعة القاهرة 2009 وعلق في أذهان الناس بعده هو التزام الرئيس الأميركي بحل النزاع لإسرائيلي- الفلسطيني، فإن الفشل في تناول هذا الموضوع الآن، أو تناوله بشكل عام فضفاض فقط أو مع وعود أكثر غموضاً "من أجل الدفع بعملية السلام إلى الأمام"، لن يؤدي إلا إلى تعميق مشاعر انعدام الثقة والارتياب أو حتى ربما إثارة الازدراء أو الغضب.

واللافت هنا أن أهمية الموضوع الفلسطيني ازدادت بشكل خاص خلال الأيام الأخيرة مع استقالة السيناتور السابق جورج ميتشل وما يتوقع أن يكون استقبالًا حارّاً لنتنياهو في الكونجرس الأميركي. ولئن كان تعيين ميتشل مبعوثاً خاصّاً قد أحيا الآمال لدى البعض في الشرق الأوسط، فإن الفترة التي قضاها في هذا المنصب كانت مخيبة للآمال. ولذلك، ينظر البعض إلى رحيله حاليّاً باعتباره اعترافاً بانهيار العملية التي استثمر فيها مع الرئيس قدراً كبيراً من رأس المال السياسي.


 وبالنظر إلى توافق نتنياهو والكونجرس بشأن مساعي عرقلة اتفاق المصالحة الفلسطينية الذي تم التوصل إليه مؤخراً، وجهود القيادة الفلسطينية التي تسعى وراء اعتراف الأمم المتحدة بدولتها في سبتمبر المقبل، فإن فشل أوباما في تناول موضوع فلسطين في أي خطاب حول الشرق الأوسط قد يلقيه سيُنظر إليه على أنه إغفال فاضح وغياب لنية جدية.

والأكيد أن ثمة أصواتاً هنا في الولايات المتحدة تقول إن الربيع العربي قد غطى على الموضوع الفلسطيني وحجبه وإن لدى العرب اليوم موضوعات أكبر وأهم عليهم معالجتها؛ وتجادل بأن الموضوع الفلسطيني كان دائماً مجرد وسيلة يستعملها بعض الحكام العرب لصرف انتباه رعاياهم -إعادة تحويل غضبهم من الداخل إلى إسرائيل والولايات المتحدة. ففي ظل قيام ثورات في أجزاء عديدة من الشرق الأوسط اليوم، والتخلص من بن لادن، يرى هؤلاء المحللون أن هذه المواضيع، وليس فلسطين، هي التي ينبغي أن تكون الموضوع المهيمن على خطاب أوباما.

وبالطبع، فإن أي خطاب رئاسي حول العالم العربي اليوم سيتعين عليه أن يجيب على التغيرات الحالية، ومقتل بن لادن، والتخوفات الإقليمية من التطرف؛ غير أن أيّاً من هذه المواضيع لا يمكن أن يبرر تجاهل الموضوع الفلسطيني. واستطلاعات الرأي التي نجريها بشكل مستمر عبر العالم العربي تُظهر أهمية فلسطين بالنسبة للعرب من المغرب إلى دول الخليج العربي.


 ثم إن أوباما نفسه يعرف أن جهود التقليل من الطابع المركزي للموضوع الفلسطيني خاطئة، لأنه يدرك أهمية حل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني في خلق شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً، وفي تحسين مكانة الولايات المتحدة في العالم العربي. ولهذا، فإنه استثمر كثيراً في الجهود الرامية إلى معالجة هذه المشكلة؛ وأوضح مراراً وتكراراً الأهمية التي تكتسيها هذه المسألة بالنسبة لمصالح الأمن القومي الأميركي في المنطقة.

من الواضح أن جهود أوباما الرامية إلى تحقيق السلام عُرقلت بظروف خارجة عن سيطرته وهذا أمر مؤسف، ما في ذلك شك، ولكن نُصحه بالاستسلام لهذه الظروف في هذه اللحظة بالذات سيمثل خطأ مأساويّاً. وبالطبع، فإنه لا يستطيع أن يحقق السلام بمفرده. وعليه أن يكون دائماً منتبهاً إلى العواقب السياسية الداخلية لأي عمل يقدم عليه، إلا أنه حتى في ظل هذه القيود والإكراهات هناك أشياء يستطيع القيام بها في خطابه لإظهار الزعامة الأميركية في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ المنطقة والعالم.

الكاتب :- جيمس زغبي

ملابسات الأزمة الروسية - الإيرانية حول مفاعل بوشهر النووي

اثارت أزمة مفاعل بوشهر النووي في أواخر فبراير الماضي زوبعة في علاقات روسيا مع ايران جراء اعلان الأولى تخفيف وتيرة العمل في مفاعل بوشهر النووي مع امكانية وقف العمل به نهائيا بسبب فشل ايران في تسديد المستحقات المالية المرتبة عليها وفق العقد المنصوص عليه بين الطرفين.

الطريقة التي تم طرح الموضوع فيها تشير الى ان المشكلة مالية, لكن ابعاد اعلانها وتوقيتها والمناخ الاقليمي والدولي المتوتر والذي طرحت المسألة اثناءه يفتح المجال امام تساؤلات كثيرة ومتشعبة.

الاعلان الروسي عن امكانية ايقاف العمل بمفاعل بوشهر النووي جاء متزامنا مع انتهاء المهلة التي منحها مجلس الأمن لايران من أجل ايقاف تخصيب اليورانيوم. وفقا للمتحدث باسم وكالة الطاقة الروسية, فان ايران قد تأخرت كثيرا في تسديد المستحقات المالية العائدة للمشروع قائلا "لقد استلمنا في شهر ديسمبر 5.1 مليون دولار فقط من أصل الدفعة البالغة 25 مليون دولار والتي كان من المفترض ان تسددها ايران لنا, اما في شهر فبراير فلم نستلم شيئا" ولا بد ان من شأن ذلك ان يؤثر على موعد تسليم "الوقود النووي" الخاص بالمنشأة وبالتالي يؤخر العمل بها.

الاتفاق الذي توصل اليه الطرفان الروسي والايراني سابقا بخصوص مفاعل بوشهر, كان يقتضي ان تسلم روسيا الوقود النووي المخصص للمنشأة النووية الايرانية في مارس من العام 2007 على أن يتم تشغيلها رسميا في سبتمبر وتوليد الطاقة الكهربائية منها في نوفمبر من العام 2007 وبسبب الخلاف الحاصل حاليا فان العمل قد يتأخر في مفاعل بوشهر الى منتصف العام 2008.

اثار الإعلان الروسي هذا ردة فعل ساخطة في الأوساط الرسمية الإيرانية التي طالبت باكمال المفاعل في وقته محذرة من ان التقاعس في هذا المجال كي يترك تداعيات سلبية في اطار العلاقة بين الدولتين.

يعتقد عدد من الخبراء ان تأخير الدفاعات الايرانية سينعكس سلبا عليها , اذ ان روسيا ستسغل هذه الفرصة لاعادة فتح النقاش حول العقد الموقع بينها وبين ايران فيما يخص مفاعل بوشهر. اذ ان قيمة العقد الموقع في العام 1995 تبلغ حوالي 1.3 بليون دولار, وهومبلغ لم يعد مربحا تجاريا مقارنة باسعار اليوم. وبما ان بوشهر قد شارف على الانتهاء تقريبا, فان أي نزاع حول العقد او سياسة ايران سيكون في صالح روسيا سياسيا واقتصاديا, فهي قد تستغل ذلك اما في اعادة التفاوض حول قيمة العقد او في الحصول على عقود بناء مفاعلات جديدة.

في المقابل, فان عددا من المتابعين يرى ان للأزمة الروسية-الايرانية بعدا سياسيا اقليميا ودوليا, اذ ان روسيا التي لطالما قاومت الضغوط الدولية ولاسيما الاميركية ازاء دورها في دعم ايران نوويا لم يعد باستطاعتها المضي بعيدا في دعم الموقف الايراني الذي اصبح يناور استنادا الى اعتقاده ان روسيا والصين معه الى النهاية ما يتيح له التلاعب بالمجتمع الدولي ويماطل قدر الامكان حتى تحقيق اهدافه المكشوفة اوالخفية.

وقد تكون أزمة بوشهر هي القشة التي قصمت ظهر البعير في دفع الموقع الروسي من المنحاز كليا الى ايران الى منطقة الوسط تمهيدا لخطوات اخرى قد تصل الى مرحلة التخلي عنه وان كان ذلك بشكل غير مكشوف عبر اتاحة الوقت الذي تحتاجه امريكا في الضغط على ايران.

اذ ان عامل الوقت في هذه المعادلة يلعب دورا مهما, فمن المعلوم ان أي هجوم اميركي وشيك على المفاعلات والمنشآت النووية الايرانية لا بد أن يتم قبل بدء تشغيل المفاعل والا فان الهجوم قد يؤدي الى تسرب الاشعاعات النووية وهذا من شانه ان يشكل خطرا جسيما ليس على ايران فقط بل على الدول المجاورة ايضا وفي هذا مقامرة كبيرة قد تدفع الاميركيين الى اعتماد اسلوب آخر, لكن بما ان الاسلوب العسكري هوالأكثر قوة وتأثيرا فان الولايات المتحدة قد تكون بحاجة الى مزيد من الوقت تعمل من خلاله على استنفاد كافة الوسائل الديبلوماسية والسياسية عبر المفاوضات او عبر قرارات مجلس الأمن قبل ان تلجأ الى الخيار الاخير وهو الخيار العسكري.

وفي هذا الاطار هناك من يعتقد ان مسألة كسب مزيد من الوقت لم تعد اختصاصا ايرانيا, اذ صحيح أن الإيرانيين لطالما تفننوا في كسب المزيد من الوقت لانهاء اكبر قدر ممكن من مشاريعهم النووية مستغلين انشغال العالم في ألازمات الدولية العديد في كوريا الشمالية, أفغانستان, العراق وغيرها, الا ان هذه المسالة وفي هذا التوقيت بالذات لم تعد حكرا عليهم.

 واذا ما ربطنا زيارة بوتين التاريخية مؤخرا إلى المملكة العربية السعودية بما يجري من أحداث متعلقة بالأزمة النووية, فهناك من يعتقد ان المملكة قد تكفلت بشراء الوقت اللازم من روسيا لمعالجة الأزمة النووية الإيرانية قبل قيام أميركا بتنفيذ خيارها العسكري.

ومن الممكن أن تكون روسيا قد شعرت بجدية الضغوط الأميركية باتجاه تنفيذ عمل عسكري ضد ايران, وهي تريد عبر خطوتها هذه "أي تأخير تسليم مفاعل بوشهر" ان تكسب الموقف الاميركي من دون ان يمس هذا بمصالح روسيا الحيوية في ايران. اذ ان الاميركي سيرى في هذه الخطوة تجاوبا روسيا ممتازا مع التحركات الدولية وتوفيرا للوقت اللازم الذي تحتاجه الولايات المتحدة لاعداد القوات اللازمة لتوجيه ضربة عسكرية لايران.

 اذ كان من المفترض فيما لوتم تنفيذ العقد الثنائي الروسي-الايراني بشكل طبيعي ان يكون لدى الولايات المتحدة فسحة زمنية يبلغ سقفها الأقصى شهر سبتمبر من العام 2007 (شهر مارس تاريخ تسليم الوقود النووي وشهر سبتمبر تاريخ تفعيل العمل بمفاعل بوشهر) لتنفيذ أي عمل عسكري دون ان يؤدي الى تسرب اشعاعي خطير, اما الآن فالولايات المتحدة وبفضل الأزمة الروسية-الايرانية الحالية قد تحصل على ما لا يقل عن 9 اشهر اضافية.

اما روسيا فقد تكون تبحث مسألة الحصول على مزيد من المكتسبات المالية الخاصة وبهذا تكون حققت اهدافا عديدة بضربة واحدة من دون ان يبدو التناقض ظاهرا فيها ومن اهمها توجيه رسالة الى الايرانيين بانه يجب عليهم اظهار موقفهم الحقيقي وعدم اللعب ضمن المساحة الرمادية التي تتيحها لايران المواقف الصينية والروسية غالبا .

الكاتب :- علي حسين باكير في 30 آذار 2007

الإيرانيون ينجحون بالهروب من قبضة 'جيش الملالي الإلكتروني'

القيود الصارمة لا تمنع الايرانيين من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبرها الحكومة جزء من 'الحرب الناعمة' لأعداء البلاد.


 المصدر موقع


[ميدل ايست أونلاين]




طهران – من روبن بومروي
بعيدا عن أعين الرقيب..
في مقهى بطهران يفتح شاب جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به ليطلع على أحدث اخبار القيل والقال على موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي.


قد يتكرر هذا المشهد في اي مكان بالعالم لكن الاختلاف في ايران هو أنه مثله مثل عدد لا يحصى من مستخدمي الانترنت الايرانيين يخالف القانون.


وحظر موقع فيسبوك في ايران الى جانب تويتر ويوتيوب وعدد من المواقع الاخرى وذلك بعد فترة قصيرة من انتخاب الرئيس محمود احمدي نجاد لفترة ولاية ثانية عام 2009 والاحتجاجات الحاشدة التي أعقبت فوزه.


وتعتبر الحكومة أن مواقع التواصل الاجتماعي وتبادل الصور جزء من "حرب ناعمة" يشنها أعداء ايران وقد كانت أداة مهمة للتواصل للمعسكر المناهض لاحمدي نجاد قبل اكثر من عام من لعبها دورا مماثلا في انتفاضتين شعبيتين أطاحتا برئيسي مصر وتونس.


في ايران اذا حاول المستخدم الدخول على موقع فيسبوك من على خط الانترنت العادي فانه سيعاد توجيهه الى صفحة مألوفة لمن تصفح الانترنت في ايران من قبل. تقترح هذه الصفحة مجموعة من المواقع التي تقرها الحكومة والتي قد يود المستخدم تجربتها بدلا من فيسبوك اولها موقع الكتروني للقران.


وتقول الصفحة ان المواقع المحجوبة هي تلك التي تعتبر اجرامية وتنتهك "المقدسات الاسلامية" او تهين مسؤولين حكوميين. لكن بالنسبة للكثير من الايرانيين فان تفادي الرقابة الحكومية امر يسير مثله مثل فتح جهاز الكمبيوتر.


ومن الممكن الدخول على شبكة افتراضية خاصة من خلال طرح الاسئلة المناسبة على الشخص المناسب بين شبان ايران البارعين في استخدام الكمبيوتر مقابل 60 دولارا في العام. وتجعل الشبكة الافتراضية الخاصة جهاز الكمبيوتر يظهر وكأنه في دولة أخرى ليتفادى حجب الحكومة لبعض المواقع.


وقال مستخدم كمبيوتر شاب يعمل مديرا لتكنولوجيا المعلومات بطهران وطلب عدم نشر اسمه خوفا من المحاكمة "أعتقد ان الخادم في ماليزيا".


وفي حين تتيح الشبكة الافتراضية الخاصة زيارة المواقع المحجوبة فانها لا تحمي المستخدم من المراقبة المحتملة. وقال الشاب "لا أعلم ان كانت شبكتي الافتراضية الخاصة امنة ام لا. لا تملك سوى أن تتعشم في هذا".


وعلى الرغم من أن الايرانيين لا يواجهون صعوبة تذكر في الدخول على المواقع المحظورة فان هذا لا يعني أن الحكومة تهمل "الحرب الناعمة" وهو التعبير الذي تستخدمه لوصف الدعاية الغربية التي تعتقد أنها تهدف الى اضعاف نظام الحكم الاسلامي.


وقال ابراهيم جباري القائد بالحرس الثوري الايراني لوكالة فارس شبه الرسمية للانباء العام الماضي "نجح الحرس الثوري في تكوين جيش الكتروني واليوم هو ثاني جيش الكتروني على مستوى العالم".


وطبيعة الهجوم المضاد لطهران في الحرب الناعمة غير واضحة لكن من المعتقد أن جزءا أساسيا منها يعنى بمراقبة ومنع المحتويات واتخاذ اجراءات صارمة ضد من ينشرون مواد تعتبر "غير مقبولة".


وفي تقرير نشر الشهر الماضي عن حرية الانترنت على مستوى العالم قالت مؤسسة فريدوم هاوس للابحاث ان ايران سجنت 50 مدونا منهم 12 مازالوا محتجزين.


في سبتمبر ايلول صدر حكم بالسجن 19 عاما على حسين ديراخشان الذي يطلق عليه لقب "ابو المدونين الايرانيين" لكونه رائدا في التدوين بالفارسية "لتعاونه مع دول معادية ونشر دعاية واهانة شخصيات دينية" وفقا لما ذكره ناشط بمجال حقوق الانسان.


وصنفت مؤسسة فريدوم هاوس ايران الاسوأ من اجمالي 37 دولة أوردتها في تقريرها بعد بورما والصين وكوبا والسعودية. وقالت ان طهران تشن "حملة نشطة على حرية الانترنت".


وقال التقرير الذي رعته عدة جهات من بينها صندوق الامم المتحدة للديمقراطية وجوجل "انتخابات 2009 كانت فيما يبدو ايذانا بانتهاء الجدل الداخلي (الايراني) لان القيادة فضلت بحزم السيطرة السياسية على مزايا مجتمع اكثر انفتاحا".


وبعيدا عن حجب المواقع وتهديد الاجراء القانوني فان من الاساليب البسيطة لتقييد الدخول على شبكة الانترنت ابطاء النظام لدرجة تجعله غير قابل للاستخدام.


وفي حين أن هذه السياسة غير معترف بها رسميا فان ايرانيين يقولون ان هذا يحدث بشكل متكرر في الاوقات الحساسة سياسيا مثلما حدث حين نظمت المعارضة مظاهرات في فبراير شباط الماضي للمرة الاولى منذ اكثر من عام.


وقال مدير تكنولوجيا المعلومات الايراني الذي لم يستطع الدخول على شبكة الانترنت في وقت مظاهرة جرت في 14 فبراير شباط "تحدثت الى الشركة التي توفر لي خدمة الانترنت وأخبروني أن أسماك القرش هاجمت الكابل الموجود تحت سطح البحر."


وأضاف "كلانا ضحك. طلب منهم أن يقولوا هذا".


لكن سرعات الانترنت في افضل الاوقات لا تكون كبيرة في ايران. وللحصول على سرعة تتجاوز 128 ميجابايت في الثانية يجب أن يثبت الايرانيون حاجتهم المهنية لهذا النطاق في المنزل. في المقابل فان سرعة 1 جيجابايت في الثانية لا تعتبر سريعة بالنسبة لمستهلكي الانترنت في الغرب.


وأشارت الحكومة الى أنها ستتيح زيادة سرعة الانترنت على نطاق أوسع متى تنشيء شبكة انترنت بديلة وتحظى بالقبول الديني.


وقال علي اغا محمدي المسؤول بمكتب احمدي نجاد عن الشؤون الاقتصادية لوكالة انباء الجمهورية الاسلامية الشهر الماضي "العمل الاولي لانشاء أول انترنت حلال تم".


وأضاف "حينذاك سنشهد تحسنا كبيرا في الخدمات الحكومية الالكترونية فضلا عن التجارة الالكترونية والانظمة المصرفية".


ومضى يقول "يمكن توسيع نطاق هذه الشبكة وربطها بالدول المجاورة".


والتفاصيل بشأن طبيعة الشبكة التي يفترض أن تغطي ايران غير واضحة لكن منتقدين للحكومة يخشون من أن تكون هذه وسيلة لممارسة مزيد من السيطرة وربما حتى عزل ايران تماما عن شبكة المعلومات الدولية متى يبدأ تشغيل شبكتها.


وخلافا لكوريا الشمالية وكوبا حيث استخدام الانترنت محدود او لا وجود له فان اي اشارة الى عزل ايران عن الشبكة غير وارد في اقتصاد صناعي صاعد به عدد كبير من الشبان المتعلمين.


وقال علي جاهانجيري وهو خبير كمبيوتر مقيم في الولايات المتحدة "تقييد الدخول على الانترنت سيكون له أثر سلبي هائل على الاكاديميين والطلبة".


وتحتل ايران المركز 36 من بين 210 دول في العالم من حيث عدد مستخدمي الانترنت الذي يبلغ 8.2 مليون نسمة وهو نفس عدد المستخدمين تقريبا في دولة أوروبية متوسطة الحجم وفقا لارقام صادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات عام 2009 .


ويقول رضا مرعشي من المجلس الوطني الايراني الامريكي ان ايران ترمي الى "فرض حجر صحي" على شعبها لحمايته من شبكة الانترنت العالمية.


وأضاف في تقرير نشر في 30 ابريل نيسان "انشاء محركات بحث وحسابات للبريد الالكتروني محلية وهي أدوات تسمح بعمل الانترنت سيساعد الحكومة في السيطرة على البنية التحتية الملموسة لشبكة الانترنت نفسها".


ومضى يقول "من خلال دمج اليات للترشيح في البنية التحتية لن تزيد الحكومة سيطرتها على تدفق المعلومات داخل ايران وحسب بل ايضا على المعلومات التي تدخل وتخرج".

الانعكاسات الجيوبوليتكية للأزمة المالية العالمية

مكان النشر: فصلية مدارات استراتيجية- مركز سبأ للدراسات


تاريخ النشر: عدد 6، تشرين ثاني/ كانون اول 2010


وو شنبو: أستاذ ونائب رئيس مركز الدراسات الأمريكية في جامعة فودان بشنغهاي.


ترجمة وإعداد: علي حسين باكير/ باحث في العلاقات الدولية






الانعكاسات الجيوبوليتكية للأزمة المالية العالمية


على الرغم من أنّ الأزمة المالية العالمية التي تفجّرت في خريف العام 2008 تتّجه نحو الانحسار وصولا إلى نهايتها، فما زال من المبكر جدا معرفة مدى حجم الخسائر التي تسببت بها للاقتصاد العالمي بدّقة. فمن المنظور الماكرو سياسي واقتصادي، وضع الاضطراب المالي العالمي هذا وبشكل رسمي حدّا للآحادية القطبية لحقبة ما بعد الحرب الباردة التي شهدت هيمنة القوة الأمريكية ونموذجها التنموي السياسي والاقتصادي العالمي المزعوم ونفوذها الدولي الساحق والذي شكّل علامة فارقة في تلك الحقبة.


وتتميّز الحقبة الجديدة التي تلوح في الأفق ببروز بنية قوّة متعدّدة الأقطاب، وبنماذج سياسية واقتصادية متعددة، وبلاعبين متعدّدين على الساحة الدولية.





معاناة الولايات المتّحدة: 


ارتكز موقع الولايات المتّحدة البارز في العالم على دعامتين أساسيتين: قوتها الاقتصادية والعسكرية الساحقة. ومع ذلك، فقد تعرّضت هاتين الركيزتين إلى التحطّم خلال العقد الماضي. فبينما اختبرت الحروب في أفغانستان والعراق حدود القوة العسكرية الأمريكية، كشفت الأزمة المالية العالمية هشاشة الاقتصاد الأمريكي.


ففي السبعينات والثمانينات، فرضت كل من اليابان وألمانيا تحديات متزايدة على الولايات المتّحدة مقوّضة تفوقها الاقتصادي. لكن في التسعينات، شهدت الولايات المتّحدة أطول دورة للازدهار الاقتصادي على الإطلاق متفوقة على اليابان وألمانيا بأشواط وتاركة إياهمها خلفها.


شكّل الناتج المحلي الإجمالي السنوي للولايات المتّحدة في تلك الفترة الممتدة من العام 1999 وحتى 2001 أكثر من 28% من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي وهي النسبة الأعلى المسجّلة منذ عقود. لكن ومنذ العام 2002، أخذت حصّة الولايات المتّحدة من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالانخفاض نسبيا نظرا لتباطؤ نموها الاقتصادي من جهة، وصعود الاقتصادات النامية من جهة أخرى وفي طليعتهم الصين والهند.[1] لقد سلّطت الأزمة الضوء بكل بساطة على ضعف الاقتصاد الأمريكي والتغيّر الكبير في المشهد الاقتصادي العالمي، لعدد من الأسباب منها:


1-  أنّ الولايات المتحدة اعتمدت على الدعم المالي من الصين وعدد من الدول الأخرى لمواجهة الأزمة.


2- أنّ أداء الصين الاقتصادي وأداء الاقتصادات النامية الأخرى خلال الأزمة في العام 2008 و2009 كان أفضل من أداء الولايات المتّحدة.


3- انّ الصين والاقتصادات النامية الأخرى وليس الولايات المتّحدة، هي التي استلمت زمام المبادرة في قيادة الاقتصاد العالمي للتعافي.





لكن وبشكل عام، قد تبقى الأزمة المالية العالمية مجرّد حلقة في سلسلة التغيّرات البعيدة المدى للاقتصاد العالمي. ومن الممكن الجدال في هذا المجال بانّ الأزمة لم تطلق اتجاها جديدا وإنما أدّت إلى تسريع الاتجاه الذي كان قائما أصلا كاشفة عن عمق واتساع التحولات التي أدت إلى بروزها.


لكن ولكون الولايات المتّحدة في صلب الأزمة المالية العالمية، فقد وجهت انتقادات واسعة لنموذجها التنموي. فقد عززت نهاية الحرب الباردة سابقا والطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال التسعينيات موقع الولايات المتّحدة باعتبارها مركز السياسة الاقتصادية والأداء الاقتصادي في العالم، وقد دفع ذالك واشنطن إلى الترويج لنموذجها التنموي بحماسة. ويقوم لب هذا النموذج على أسطورة الأسواق الحرّة التي تقول أنّ السوق هي العنصر الأكثر فعالية وكفاءة في توليد النمو الاقتصادي، بينا يجب أن ينحصر دور الدولة والحكومة في الحياة الاقتصادية في حدّه الأدنى. لكنّ الاضطراب المالي الذي حصل، كشف الجشع غير المحدود والتدمير الهائل الذي أحدثته "وول ستريت" وسلّطت الضوء على الوجه البشع والخطر للسوق الحرّة. وتمثّل الدرس في أن دور الدولة لا يكمن فقط في التدخل وإعداد خطّة الإنقاذ عندما يقع الاقتصاد في ورطة كبيرة، لكنّ الأهم من ذلك أن هي أن تراقب السوق عن كثب في مختلف الأوقات.


ومن الأسباب الرئيسية التي يعتقد أنّها مسؤولة عن التسبب بالكارثة المالية هي عدم وجود رقابة فعّالة على السوق من جهة إضافة إلى الاعتماد الوائد على الاقتصاد الافتراضي. فمنذ السبعينات حيث كان القطاع الصناعي يمثّل 23.8% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد[2]، وهذه النسبة في تدنّي لصالح القطاع المالي الذي اخذ يتحول إلى العنصر الأكثر مساهمة في المخرجات الاقتصادية للبلاد. ففي العام 2007، أي قبل عام واحد من الأزمة المالية العالمية، بلغ حجم الاقتصاد الافتراضي حوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، بينما انخفضت مساهمة القطاع الصناعي إلى 11.7% (في المقابل، بلغت هذه نسبة هذين القطاعين في الصين في نفس العام 4.4% و43% على التوالي.)[3]، فقد بدا واضحا أنّ الاعتماد المتزايد على الاقتصاد الافتراضي أدى إلى نشوء فقّاعة مالية ضخمة انفجرت في نهاية الأمر في خريف عام 2008.


أدّى الاضطراب المالي أيضا إلى التشكيك في استقرار الدولار الأمر الذي دفع بدوره إلى إضعاف ثقة العالم به كأكبر عملة احتياط في العالم. ففي 24 آذار/ مارس 2009، وقبل أسبوع واحد من قمّة العشرين (G-20) في لندن، طالب (Zhou Xiaochuan) حاكم المصرف المركزي الصيني بإيجاد عملة جديدة تحل محل الدولار في التعاملات المالية العالمية.[4] وكان سابقا قد اقترح توسيع حقوق السحب الخاصة (وهو نوع مصطنع من العملة أوجده صندوق النقد الدولي في الستينات) لتسهيل الانتقال من الاعتماد على نظام احتياطي الدولار إلى الاعتماد على نظام احتياط عالمي جديد. ويعكس اقتراح حاكم المصرف المركز قلق اللصين على استقرار النظام المالي العالمي، وهو قلق تتشاطره مع العديد من الدول كروسيا، وتمّ تكراره في تقرير للأمم المتحدة اقترح فيه حينه "إمكانية إنشاء نظام احتياط عالمي جديد، نظام لا يعتمد على الدولار فقط كعملة رئيسية وحيدة للاحتياط العالمي.[5]


وفي الوقت الذي يعتبر فيه إنشاء عملة احتياط دولية جديدة هدفا بعيد المدى، دعت الصين والتي تمتلك حصة كبيرة من السندات الحكومية الأمريكية واشنطن لاعتماد سياسات مالية واقتصادية مسؤولة بشكل أكبر لتفادي حصول المزيد من الانخفاض في قيمة الدولار. وفي القمة الرابعة لمجموعة العشرين (G-20) التي عقدت في تورونتو في حزيران/ يونيو 2010، أعاد الرئيس الصيني هو جنتاو طرح ملاحظاته التي كان أعلنها في اجتماع بطرسبورغ في أيلول/ سبتمبر 2009 داعيا "البلدان الرئيسية التي تمتلك احتياطي كبير من العملات إلى ضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار وتوازن بين آثار سياساتها النقدية بالنسبة لاقتصاداتها وبالنسبة للاقتصاد العالمي عبر رؤية تعمل على دعم استقرار الأسواق المالية العالمية". كما شدد على الحاجة إلى تشديد الرقابة على السياسات الماكرو اقتصادية لجميع البلدان خاصة تلك الاقتصادات الرئيسية التي تستخدم عملتها في الاحتياطات العالمية".[6] في الماضي، غالبا ما كانت الولايات المتّحدة هي التي تشير بإصبعها إلى السياسات الاقتصادية والمالية للآخرين. أمّا الآن، فقد أعطت الأزمة الفرصة للدول الأخرى لكي تلوّح بأصبعها على واشنطن.  فالأزمة لم تضعف فقط ثقة الآخرين فقط في استقرار الدولار الأمريكي، وإنما أثارت المخاوف والقلق أيضا حول مدى سلامة السياسات الماكرو اقتصادية لواشنطن.


لقد أدّى الاضطراب المالي إلى تقويض التأثير الأمريكي في الحكم الاقتصادي العالمي. وقد نسبت العديد من الدول لاسيما تلك النامية الأزمة إلى عيوب النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتّحدة، ونادت بإنشاء نظام مالي عالمي جديد أكثر شمولية وعدلا وإنصافا. في قمّة مجموعة العشرين التي عقدت في بطرسبورج، قدّم القادة هذا التجمّع "كمنتدى رئيسي للتعاون الاقتصادي العالمي" ووعدوا بنقل ما لا يقل عن 5% من حصّة الكوتا في صندوق النقد الدولي إلى الأسواق الصاعدة والدول النامية، وزيادة على الأقل 3% من حصّة التصويت إلى الدول النامية في البنك الدولي.[7] استخدم الغرب سابقا لأكثر من ثلاثة عقود تجمّع الـ (G-5) والـ (G-7) والـ (G-8) لاحتكار التنسيق في السياسات الماكرو اقتصادية الدولية، وبصفتها قائدة للعالم الغربي، استطاعت واشنطن أن تسوّق أفكارها فيما يتعلّق بالسياسات الماكرو اقتصادية الدولية بين أتباعها من الدول النامية.


أمّا الآن، ومع حلول تجمّع العشرين (G-20) مكان الـ (G-8) كمنصّة أساسيّة لمناقشة الاقتصاد العالمي، أصبح لدى الاقتصادات النامية منتدى تستطيع من خلاله أن توصل مخاوفها واهتماماتها بشكل أكثر فعالية وتأثير. على عكس الاقتصادات المتطورة،  فإنهم أكثر تشكيكا بالدور الأمريكي سواء فيما يتعلّق بكونه نموذجا للتنمية أو قائدا لعمليّة الحوكمة الاقتصادية العالمية. وعلى الرغم من أنّ حصّة الولايات المتّحدة في التصويت في البنك الدولي لم تتقلّص (وكذلك الأمر بالنسبة لحصّتها في صندوق النقد الدولي في المستقبل القريب)، فان زيادة ثقل الأسواق الصاعدة والدول النامية في هذه المؤسسات سيجعل محاولات واشنطن الحصول على دعم لموقفها أكثر صعوبة في المستقبل. 


كما أثارات الأزمة انتقادات لنمط الحياة الأمريكي المتمثّل بالاقتراض الزائد عن حدّه والادخار المنخفض. إذ يسود الاعتقاد على نطاق واسع بأن الاستهلاك المفرط الممول من الاقتراض الزائد عن حده يعد جزءا من المشكلة التي تقف خلف تفجّر الأزمة المالية العالمية. وفي حقيق الأمر، فان ثقافة بطاقة الائتمان جعلت الكثير من الأمريكيين العاديين يعتبرون أنّ الإنفاق المفرط والادخار القليل أمرا مفروغا منه. ولفترة طويلة، ظل الحلم الأمريكي – العيش في منزل كبير واقتناء سيارة فخمة- يغرب الناس على العيش بطريقة أكبر من أن يتحملوها فعليا. بالنسبة للأشخاص خارج الولايات المتّحدة الأمريكية، فان ذلك ليس مجرد موضوع مالي فردي فقط، وإنما موضوع بيئة وطاقة أيضا، طالما أنّ الولايات المتّحدة تستهلك الكثير من الوارد وتنتج الكثير من الغازات الدفيئة ان من حيث المجموع الكليّ أو من حيث حصّة الفرد من هذا المجموع. في الماضي، شكّل نمط الحياة العصرية في الولايات المتّحدة نموذجا مغريا للناس في البلدان النامية مما حفّزهم على العمل الجاد لتحقيق الازدهار الاقتصادي والفورة في المواد. أمّا الآن، فان الحياة البسيطة والصديقة للبيئة تصبح نمطا أكثير تقدّمية من المثال السابق، إذ أنّ نمط الحياة الأمريكي بالنسبة له أصبح مرادفا للإسراف والتبذير فضلا عن تبديد الموارد والطاقة.





مكتسبات الصين:


صحيح انّ الصين عانت اقتصاديا من الأزمة وان  بشكل متوسط، لكنها كسبت في المقابل عناصر اقتصادية وسياسية بشكل ملحوظ. فالنموذج التنموي للصين -الذي يركّز على الدور المحوري للدولة في التنمية الاقتصادية يرتكز على الاقتصاد الحقيقي بدلا من الاقتصاد الافتراضي، ارتفاع معدّل الادخار، التحرير المدروس للأسواق المالية، ..الخ- جعل الصين تتموضع في موقع أفضل لمواجهة العاصفة المالية العالمية وبالتالي لتقلّص بشكل أكبر الخسائر المرتبطة بها إلى اقل قدر ممكن. وكدولة نامية، بدا النموذج الصيني أكثر ملاءمة للعالم النامي. فكما لاحظ أليكس بيري من مجلة التايمز "فان الحكومات الأفريقية نظرت الى عدم الاستقرار الاقتصادي للغرب خلال العامين الماضيين ووجدت نموذجا أفضل في النمو الاقتصادي المذهل لآسيا".[8]


في حقبة ما بعد الحرب الباردة، تمّ تظهير النموذج الأمريكي على انّه السبيل الوحيد لتحقيق الازدهار الاقتصادي. أمّا الآن، فيبدو انّ النموذج الصيني يقدّم بديلا. صحيح انّ النموذج الصيني ليس مثاليا، فهو يعاني حقيقة من تحديات كبيرة كاتساع الفجوة في الدخل والتلوث ا لبيئي الخطير والفساد المستشري. ومع ذلك، فانّ سجّله في التغلب على أزمتين ماليتين (الأزمة المالية الآسيوية 1998-1999) و(الأزمة المالية العالمية 2008-2009) تشهد على قوّته. فعلى عكس واشنطن، لا تحبّذ بكيّن ترويج نموذجها وفرضه على الآخرين، لكنّ السمعة المتزايدة للتجربة الصينية ستعزز بالتأكيد من وضع بكين العالمي وتزيد من نفوذها بين الدول النامية.


لقد كان هناك نقاش دائر أصلا حول ضرورة فصل الاقتصادات الآسيوية عن الولايات المتّحدة قبل مرحلة الأزمة الأخيرة نظرا للنشاطات الاقتصادية المتنامية ما بين الدول الآسيوية نفسها.[9] وحقيقة أنّ الصين أصبحت بالفعل الشريك التجاري الأوّل لعدد من الاقتصادات الرئيسية في المنطقة كيابان وكوريا الجنوبية وتايوان شكّل حافزا إضافيا لزيادة التعاون بين اقتصادات شرق آسيا. 


وحتى في اليابان حيث وصل الحزب الديمقراطي الياباني إلى الحكم في آب/ |أغسطس، فقد لاحظ رئيس الوزراء "يوكيو هاتوياما" بانّ: "أظهرت الأزمة المالية الحالية للكثير من الناس بانّ حقبة الأحادية القطبية الأمريكية قد تنتهي. كما أثارت الشكوك لدى الناس حول قدرة الدولار على البقاء كعملة عالمية رئيسية.

 أشعر أيضا وكنتيجة للفشل في حرب العراق والأزمة المالية العالمية بانّ حقبة العولمة التي تقودها الولايات المتّحدة ستنتهي وبانّنا نبتعد عن حقبة الأحادية القطبية إلى حقبة التعددية القطبية".

[10] وأضاف رئيس الوزراء: "تظهر التطورات الحالية بوضوح، أنّ الصين التي تضم أكبر عدد من سكّان العالم ستصبح واحدة من الدول الرائدة في الاقتصاد العالمي، في الوقت الذي ستستمر فيه أيضا بالتوسع في قوّتها العسكرية".

[11] لقد تعهد رئيس الوزراء بتقوية علاقات بلاده مع دول آسيا وخاصة مع الصين لبناء مجتمع شرق آسيا. ولا شك انّه وضع هذا وفي ذهنه أهمية الصين المتزايدة بالنسبة للاقتصاد الياباني مستقبلا.


وكما اليابان، أعربت كوريا الجنوبية عن حماستها بعقد اتفاقية للتجارة الحربة مع الصين في أقرب وقت ممكن. ووقعت تايوان أيضا في يونيو 2009 مع الصين الأم اتفاقية إطار التعاون الاقتصادي (ECFA) ما يعدّ خطوة كبيرة إلى الأمام في العلاقات بين الكيانين عبر المضيق. وينص الاتفاق على توحيد التعرفة الجمركية وعلى ضمان سهول الوصول إلى الأسواق على أن يتم إلغاء التعرفة الجمركية بموجبه خلال سنتين وتطبق على أكثر من 539 سلعة تايوانية مصدّرة إلى الصين بقيمة 13.84 مليار دولار كما على 267 سلعة صينية مصدّرة إلى تايوان بقيمة 2.86 مليار دولار.

 وسيتيح الاتفاق أيضا للمؤسسات والشركات التايوانية الوصول إلى 11 قطاع خدمات في الصين الأم من بينها البنوك، والمحاسبة، والتأمين والاستشفاء.[12] ولا شك أنّ الأزمة المالية سمحت لبكّين بتشجيع الاستهلاك الداخلي أيضا، وهو الأمر الذي سيسمح للصين -طالما أنّه في تصاعد مستمر- أن تعزز روابطها الاقتصادية مع شركائها الإقليميين ويقوي من دورها كمحور اقتصادي في شرق آسيا.


باختصار، أكّد الإضراب المالي والاقتصادي موقع الصين كمحرّك للاقتصاد الإقليمي الآسيوي لا بل للاقتصاد العالمي أيضا. على صعيد السياسة الدولية، فمن المعروف أنّ العلاقات السياسية والاقتصادية تتبعان بعضهما البعض. بعد الحرب العالمية الثانية، قامت العديد من الدول الإقليمية بتطوير علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكي تبعها ترتيبات أمنيّة وسياسية مع واشنطن. ومن نفس المنظور، فان تعميق الروابط الاقتصادية الصينية مع شركائها الإقليميين حاضرا ومسقبلا يعد بتوسيع نفوذها السياسي في شرق آسيا.


آخذين بعين الاعتبار نمو حجم الصين الاقتصادي وأدائها الممتاز خلال الأزمة، فانه ليس من المستغرب أنّ  الاضطراب المالي العالمي أدى إلى رفع مكانة الصين في الحوكمة الاقتصادية العالمية. كما ظهرت الأزمة مجموعة العشرين (G-20) كمنتدى رئيسي للتعاون الاقتصادي العالمي مغطّية على الدور التقليدي لمجموعة الثماني الكبار (G-8) في الاقتصاد العالمي. واحتلت الصين قلب مجموعة العشرين لكونها تحتل المرتبة الثالثة في الاقتصاد العالمي ولكونها صاحبة أكبر احتياطي عملات أجنبية في العالم.

 كما راجت فكرة إنشاء مجموعة الـ (G-2) التي تضم الولايات المتّحدة والصين لادارة الاقتصاد العالمي والجيوبوليتكا الدولية بين الباحثين الأمريكيين والمسؤولين السابقين (على الرغم من أنّها لم تلق ترحيبا لا من واشنطن ولا من بكين) تمثّل اعترافا بالوزن الاقتصادي والجيبوليتيكي الذي اكتسبته بكين حديثا. ففي نيسان/ أبريل 2010، قرر البنك الدولي رفع حصّة التصويت الخاصة بها في هذه المؤسسة لتصبح ثالث أكبر مصوّت، ومن المتوقع أن يقوم صندوق النقد الدولي بنفس الأمر فيعزز تمثيل الصين فيه.


في المجمل، فقد أفادت الأزمة المالية الصين بتسريعها المرحلة الانتقالية للقوة الاقتصادية والمالية محوّلة الصين من لاعب هامشي إلى لاعب أساسي. أخيرا وليس آخرا، أعطت الأزمة العملة الصينية (اليوان) سمعة حسنة لقوّتها واستقرارها. صحيح انّه الفترة التي سبقت الأزمة أيضا كان "اليوان" يستخدم في التجارة الثائية بين عددا من جيران الصين، لكنّ الأزمة المالية كشفت عدم استقرارا الدولار الأمريكي وسلّطت الضوء في المقابل على قوّة "اليوان" الصيني.

وعلى الرغم من انّ اليوان اليني لا يتمتع بحريّة التحويل، فقد أبدا بعض كبار الشركاء التجاريين للصين رغبتهم في زيادة الاعتماد عليه في الوقت الذي كان يعاني فيه ا لدولار الأمريكي من الضعف، الأمر الذي أثار قلقا من أن يؤدي عدم استقرار الدولار إلى رفع التكاليف والمخاطر في التجارة. ومنذ بدء الأزمة، وقّعت الصين اتفاقيات تبادل عملات ثنائية مع الأرجنتين وبيلاروسيا وايسلاندا وأندونيسيا وماليزيا وهونغ كونغ وسنغافورة وكورية الجنوبية بحجم إجمالي كلي بلغ حوالي 803.5 مليار "يوان" (أي حوالي 118.1 مليار دولار). وقامت بعض الدول أيضا بالاعتماد على اليوان الصيني كواحدة من العملات التي يمكن الاعتماد عليها في احتياطياتها من العملات الأجنبية.


لقد دفعت الأزمة بكّين إلى التفكير جدّيا في جعل اليوان الصيني عملة إقليمية. وفي بداية العام 2009، وافقت الصين على طموح شنغهاي بالتحوّل إلى مركز مالي عالمي بحلول العام 2020 والتوفيق بين نفوذ الصين الاقتصادي ومكانة عملتها على الصعيد العالمي. ستكون رحلة اليوان الصيني  ليصبح عملة رئيسية للاحتياط الدولي طويلة بطبيعة الحال، لكن من الواضح أنّ اندلاع الأزمة المالية شكّل نقطة الانطلاق لهذه الرحلة.





ما الذي يتغيّر في العالم؟


من المنظور التاريخي الواسع، فان الأزمة المالية العالمية سجّلت بعض التطورات وعجّلت من أخرى سيكون لها تأثير كبير على المدى البعيد فيما يتعلق بالسياسة العالمية وبالوضع الاقتصادي.


أولى هذه التطورات: تطوّر البنية الهيكلية للقوة الدولية. فإذا كان هناك أحادية قطبية في فترة التسعينات فقد ذهبت هذه الحالة، والعالم يتّجه الآن بعيدا عنها بسرعة. وسواء كانت البنية الهيكلية الجديدة للقوة في العالم متعددة الأقطاب أو لا قطبية أو شيئا آخر، فهي أكّدت على شيئ واحدا على الأقل بشكل واضح ألا وهو أنّ قيادة الحوكمة الدولية سيعاد هيكلتها، وستحتل الدول النامية أو دول العالم غير الغربية موقعا متقدّما في القيادة الجديدة وسيكون صوتها مسموعا.

 فالصعود الاقتصادي للأسواق الناشئة والدول النامية بدا واضحا حتى قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية، ومع ذلك فقد أتاحت الأزمة الفرصة لهم بترجمة وزنهم الاقتصادي المتنامي إلى نفوذ اقتصادي وسياسي.


ثانيها: الدور المتحوّل للولايات المتّحدة في الشؤون الدولية، حيث تمّ اعتبار أمريكا جزءا من المشكلة وجزءا من الحل أيضا. فمن احتلال العراق إلى الأزمة المالية العالمية تشوّهت صورة الولايات المتّحدة كمنارة للأداء الاقتصادي والسياسي في العالم. فقد أظهرت الحرب على العراق بأنّ بإمكان الولايات المتّحدة إساءة استخدام قوتها وتحدي المجتمع الدولي لصالح أولوياتها، بينما برهن الاضطراب المالي العالمي بأنها قادرة على إلحاق الأذى الاقتصادي بالعالم بما يفوق قدرة أي طرف على فعل ذلك.

 وبما أنّه لم يعد بإمكان واشنطن أن تلعب دور الناصح في المسائل المتعلقة بالحوكمة المحليّة أو العالمية، فانه لن يكون بإمكانها أن توجّه الأوامر للآخرين حولها. وباعتبار أنّ الولايات المتّحدة وبوصفها قوة اقتصادية وعسكرية، فانه لن يكون بالإمكان الاستغناء عنها فيما يتعلق بحل المشاكل التي تواجه العالم، لكن المؤكّد أن موقعها ونفوذها في العالم تراجع بشكل كبير.


ثالثها: أنّ العالم أصبح يشهد الآن جهودا أكثر جديّة في البحث عن نماذج جديدة في الحكم والتعاون الإقليمي والتنمية المحلّية. كما يشهد دعوات لمفاهيم تقدّمية مثل "العمل الجماعي الفعّال"، "المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة"، "الربح المتبادل"، "توازن المصالح"، "عالم متناغم"، إلى جانب إنشاء نظام اقتصادي وسياسي دولي مستقر وعادل ومنصف يستطيع أن يعزز التعاون في الحكم الدولي إلى أعلى مستوى. كم يتم توجيه التعاون الإقليمي ليس فقط باتجاه تعزيز النمو الاقتصادي وإنما أيضا باتجاه المحافظة على الاستقرار الإقليمي الاقتصادي والمالي.


أمّا فيما يتعلّق بالتنمية الاقتصادية والسياسية الداخلية المحليّة، يلاحظ ابتعاد الدول عن فكرة تبنّي أو إتباع نموذج عالمي باتّجاه اتّخاذ موقف أكثر واقعية واستكشاف طرق أكثر ملاءمة لمعطياتهم الداخلية وظروفهم المحليّة. كما سيأخذ النقاش حول نماذج التنمية المختلفة حيزا من وقت إلى آخر، فباستثناء حفنة من الأيديولوجيين، فان مثل هذه التطورات ستكون مدفوعة بمدى الفعالية التي ستحققها وليس بالأيديدلوجيا.


[1] See U.S. Department of Agriculture, ‘‘Real Historical Gross Domestic Product (GDP) and Growth Rates of GDP,’’ November 2, 2009, http://www.ers.usda.gov/Data/Macroeconomics/ [See dataset titled ‘‘Real GDP (2005 dollars) Historical’’]


[2] This figure is calculated based on data from U.S. Department of Commerce, Bureau of Economic Analysis, ‘‘72SIC_VA, GO, II,’’ June 17, 2004, http://www.bea.gov/industry/xls/GDPbyInd_VA_SIC.xls.


[3] See Brian M. Lindberg and Justin M. Monaldo, ‘‘Annual Industry Accounts: Advance Statistics on GDP by Industry for 2007,’’ U.S. Department of Commerce, Bureau of Economic Analysis, May 2008, http://www.bea.gov/scb/pdf/2008/05%20May/0508_indy_acct.pdf and National Bureau of Statistics of China, China Statistical Yearbook 2008 (Beijing: China Statistics Press, 2008), pp. 38, 42.


[4] See Zhou Xiaochuan, ‘‘Reform the International Monetary System,’’ March 23, 2009, http://www.pbc.gov.cn/english//detail.asp?col6500&ID178.


[5] UN Department of Economic and Social Affairs, ‘‘World Economic and Social Survey 2010: Retooling Global Development,’’ E/2010/50/Rev.1, 2010, p. XXII. http://www.un.org/esa/policy/wess/wess2010files/wess2010.pdf.


[6] Hu Jintao, speech, fourth summit of G-20, Toronto, June 27, 2010, http://www.fmprc.gov.cn/eng/topics/hujintaoG20fenghui/t712730.htm. Also see Hu Jintao, ‘‘Make Every Effort to Promote Growth and Balanced Development’’ (remarks, third summit of G-20, Pittsburgh, September 25, 2009), http://www.fmprc.gov.cn/eng/topics/hujintaoG20fenghui/t607838.htm.


[7] See Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, ‘‘G20 Issues Leaders’ Statement of the 3rd Financial Summit,’’ September 26, 2009, http://www.fmprc.gov.cn/eng/topics/hujintaoG20fenghui/t616883.htm.


[8] Alex Perry, ‘‘China’s New Focus on Africa.’’ Time, July 24, 2010, http://205.188.238.


109/time/specials/packages/article/0,28804,2000110_2000287_2000276-2,00.html.


[9] See William Pesek, ‘‘Asia’s Decoupling from US economy ‘a myth’,’’ May 9, 2007,


http://forum.stirpes.net/economics/11637-asia-s-decoupling-us-economy-myth.html and


Bruce Nussbaum, ‘‘Coupling and Decoupling in Davos,’’ Bloomberg Businessweek,


January 23, 2008, http://www.businessweek.com/innovate/NussbaumOnDesign/archives/


2008/01/coupling_and_decoupling_in_davos.html.


[10] Yukio Hatoyama, ‘‘Japan Must Shake Off U.S.-Style Globalization,’’ Christian Science Monitor, August 19, 2009, http://www.csmonitor.com/Commentary/Opinion/2009/0819/p09s07-coop.html.


[11] Ibid.


[12] Xie Yu and Ma Wei, ‘‘Cross-Straits Trade Deal to Cut Tariffs, Open Markets,’’China Daily, June 30, 2010, http://www2.chinadaily.com.cn/china/2010-06/30/content_10037141.htm.

الثلاثاء، 17 مايو، 2011

حاجة الحركة الإسلامية لعلاقات سياسية متوازنة -الدكتور عبدالله النفيسي

-مقال-

التربية الحزبية مقابل التربية الاجتماعية : من الملاحظ أن مناهج التكوين الأيديولوجي والتربوي في معظم "تنظيمات" الحركة الإسلامية لا تعني بالتربية الاجتماعية قدر عنايتها بالتربية الحزبية. نقصد أن المناهج التربوية في معظم "تنظيمات" الحركة الإسلامية ترتكز على تربية وتنشئة "العنصر الحزبي" المنتمي والمطيع والمنفذ والموالي ولاءً مطلقاً لقيادته الحزبية والحركية، ولا تهتم في مقابل ذلك بتنشئة ذات “العنصر” على التواصل الاجتماعي والفكري والنفسي والثقافي مع المحيط الحركي الذي يمثله المجتمع الأوسع.

 لذا نجد أن مخرجات العمليات التربوية الحاصلة في "تنظيمات" الحركة غير متوازنة. فمن جانب نجد تطوراً إيجابياً في "العنصر" من حيث تكوينه الحزبي وقدرته على التنفيذ والوفاء بالتكاليف الحركية، ومن جهة أخرى يلاحظ عليه زمرة من التطورات السلبية التي تحتاج بدورها لمعالجة عبر مناهج جديدة.

 من أهم تلك التطورات السلبية في "المنتمي الإسلامي" الجديد أنه يتحول إلى حالة من "الانتظار الدائم" للأوامر والتعليمات ويفقد كل قدرة على المبادأة والمبادرة على أي مستوى من المستويات حتى على مستوى تكوين رأيه في القضايا التي يشاهد ظواهرها يومياً. هذه الثغرة في المنهاج التربوي يتضرر منها "التنظيم" الإسلامي كما يتضرر منها الإسلام من حيث هو دعوة ودين وحركة اجتماعية.

 أما الضرر الذي يظهر "تنظيمياً" فيتلخص ـ مع استمرار تلك السياسة التربوية ـ بتكاثر "المنفذين واللائحيين" وضمور في عدد "المبدعين والخلاقين" ومع الوقت يتحول "التنظيم" إلى آلة صماء كبيرة ضخمة متفرعة ثقيلة ذات أطراف قوية "الكاتربيلر" من الممكن أن يتحكم في توجيهها إنسان متواضع الأهلية والثقافة، إنسان بلا مبادأة ولا كاريزما ولا خيال. ولأن العملية التربوية داخل "التنظيم" تركز على "قيم التنظيم" من طاعة وولاء والتزام وفدائية ونكران للذات، وليس على "قيم المجتمع الأوسع" من حقوق وواجبات وأدوار ومصالح ومطالب، نقول لأن ذلك حاصل ويتحول "التنظيم" إلى غاية في حد ذاته ويصبح التمسك فيه وبه يعاد "المشروع الإسلامي" الذي يبشر به بمعنى يتولد شعور خفي لدى "المنتمي الإسلامي" إن الإسلام لن يعود لسابق مجده إلا من خلال "التنظيم".

من هنا يتم التركيز على نقطة "التنظيم" ومجاله، ومن هنا يصبح ازدهاره وانتشاره وبروزه "القضية الأوجب" بالتقديم على "القضية الاجتماعية العامة". ومن هنا نجد أن "المنتمي الإسلامي" يتقن موجبات الانتماء التنظيمي وتواءم معها، لكنه من جهة أخرى يتراخى في موجبات انتمائه الاجتماعي الأوسع ويفرط في "دوره العام" غير المرتبط بالتكاليف التنظيمية برغم أن هذا "الدور العام" أكثر أهمية من "الدور الخاص" المربوط بهيئات "التنظيم".

وينشأ عن هذه الثغرة "التربوية" ثغرة أخرى تتعلق بمنظور "المنتمي الإسلامي" للقضايا العامة وحتى على درجة تفاعله معها. فعلى صعيد "المنظور" نلاحظ العمومية والانطباعية وكسلاً في التتبع الثقافي للقضية العامة وشيئاً من الرومانسية الحالمة المنفكة والمعبأة بالخطاب التاريخي والماضويات المكرورة والمبثوثة بين عموم الناس. وأما "درجة التفاعل" مع القضية العامة فيقررها له "التنظيم": فالأخير هو الذي يقرر "العام" من "الخاص" و"المهم" و"الأهم" وغير ذلك أيضاً.

وينشأ عن هذا "الفصام" في العملية التربوية، شيء مشابه له على صعيد التعامل مع المحيط الحركي الذي يشكله المجتمع الأوسع.

 فـ "المنتمي الإسلامي" يتعامل مع المجتمع الأوسع بمنطق "التنظيم": مزيج من التوظيف السياسي للعلاقة وشيء من الاستعلاء الشعوري والنفسي "لقد مارس المرحوم سيد قطب في المعلم تنظيراً لهذه النقطة".

 لذا نجد المنتمي "الإسلامي" يأخذ من المحيط ما يفيد "التنظيم" ويدفع عن "التنظيم" ما يتفاعل في المحيط من نزوعات و"شرور". في إطار هذا "الحدب" على "التنظيم" تصبح كل قضية أخرى "ثانوية".

 ذلك هو جذر المشكلة في موقف "التنظيم" من العلاقات السياسية المتوازنة مع القوى الاجتماعية والسياسية المتباينة. طبعاً عندما نتحدث عن "المنهاج التربوي" في تنظيمات الحركة الإسلامية وننتقده أو نبين أوجه القصور فيه، لا نقصد بمصطلح "المنهاج التربوي" التعاليم الأخلاقية والمناقب الإسلامية التي أحيتها الحركة الإسلامية في مجتمعنا المعاصر، إطلاقاً لا نقصد ذلك، بل نحن نحيي الدور الريادي الذي قامت به الحركة في هذا المجال.

 ما نقصده بـ "المنهاج التربوي" هو ما يصب في النهاية في مجال "التكوين الأيديولوجي" وتشكيل المنظورات الاجتماعية والسياسية للأفراد، أكثر من المناقبيات الفردية والأخلاقيات الخاصة بهم. ومن تفريعات هذا التكوين الأيديولوجي القاصر نلاحظ أنه يفرز لدى "المنتمي الإسلامي" العقلية المباشرة، فهو لا يهتم ولا يدرك إلا "المباشر" ولذا نجده لا يتفاعل مع القضية العامة إلا ما كان له صلة "لصيقة و مباشرة" بفضاءات المناشط التي يمارسها "التنظيم".

ومن هنا نلاحظ أيضاً ضعف التمييز ـ لدى التنظيمات الإسلامية ـ في فرز المباشر من غير المباشر، القصد بين ما يؤثر عليها مباشرة وما قد يؤثر عليها أكثر ولكن بطريق غير مباشر.

 وتوظيفاً لهذا الثغرة نشط خصوم الحركة الفعليون في توفير "الإشباع المباشر" لها، والتركيز في محاربتها وتطويقها على الدروب والآليات "غير المباشرة" فـ "الإشباع المباشر" للحركة يتحقق من خلال توفير فرص "التعبير الديني" الصاخب والمكثف في الصحف والإذاعات ومحطات التلفاز والمناسبات الدينية والوطنية، وفي الوقت نفسه ويتوازى مع هذا جهود مكثفة "في الظل" للحؤول دون تمكين "منهج الدين" من اتخاذ القرار وتنظيم المؤسسات والوزارات والهيئات والعلاقات الدولية والعسكرية وغير ذلك من المناشط المفصلية.

ومن الملاحظ أن قابليات "التنظيمات الإسلامية" للغرق في عمليات الإشباع المباشر كبيرة للغاية، ولذا بات من السهل استرضاؤها وتوظيفها سياسياً في "حروب الوكالة" وهي ـ في السياسة ـ "حروب وهمية" يخوضها الحزب ضد الحزب الآخر لخدمة "طرف ثالث" يتحكم في تفاصيل الصراع "بالريموت كونترول".

 جذر كل هذا واحد: التركيز على التربية الحزبية الواحدية "البيوريتانية" (أي التطهرية) وإهمال التربية الاجتماعية ذات الجهات الأربع التي تعي الكليات "جشتالت" ولا تقف عند حد الفهم الجزئي. وحل هذا واحد: تصحيح فهومات التربية الحزبية في "التنظيم الإسلامي" والتركيز على فنون التربية الاجتماعية التي تستهدف خروج الجنين الإسلامي من القشرة لا النمو الحلزوني داخل القشرة.

الكاتب :- الدكتور عبدالله النفيسي

"مجلس التعاون" الخليجي والأحواز المحتلة

السياسة الكويتية 13-جمادى الآخرة-1432هـ / 16-مايو-2011م

المتغيرات السياسية الكبرى التي تعصف بالشرق القديم ليست مجرد تظاهرات شعبية و مطالبات بالإصلاح عادة ما تواجهها سلطات قمع الأنظمة الشمولية بالحديد و النار و أكوام الجثث البشرية و التي تنتهي أخيرا بهزيمة أنظمة القمع و بتعميق مساحات الجرح و بإعدام كل فرص الحوار التغييري بشكل سلمي بعيدا عن لغة الدماء و الأشلاء و الجثث المتناثرة , المشكلة في العالم العربي أن لا أحد يرغب في معرفة الحقيقة و بأن العالم قد تغير و إلى الأبد .

 و بأن منظومة الطغيان و الاستبداد و الحاكم الآله و المقدس و المعصوم قد أضحت من ذكريات الماضي السحيق , لذلك تسير الأمور بصورة فوضوية و بمشاهد دموية متسارعة لن تغير فظائعها النتيجة التاريخية المعلومة وهي انتصار قوى الحرية على قوى البغي , وهزيمة السيف أمام دماء الأحرار التي وحدها تصنع التاريخ و تضيء الدرب و ترسم خارطة الطريق الحقيقية للمستقبل .

 ومجلس التعاون الخليجي بعد ثلاثة عقود من التأسيس حقق كمنظمة إقليمية بعضا من الأهداف الناجحة فيما تلكأت مسيرته في محطات أخرى .

لقد استطاع المجلس بدوله الست أن يدير أوراق و ملفات الصراع الإقليمي الشرس في أوقات صعبة اقترنت بمرحلة التأسيس وهي مرحلة الحرب العراقية- الإيرانية الطويلة القاسية و إرتداداتها الأمنية و توابعها كالأعمال الإرهابية والخلايا السرية الإيرانية الموجهة من نظام التبشير و التصدير الثوري للجمهورية الإرهابية في إيران التي وضعت أنظمة الخليج العربي كهدف محوري و كمشروع ثوري لانقلاب سياسي يطيح بأنظمة المنطقة و يؤسس للجمهورية الإسلامية بمجالها الحيوي و تحت الزعامة القومية الفارسية وهو ما يحاول الإيرانيون تحت قياد محمودة أحمدي نجاد وخطه الفكري و العقائدي تحقيقه وسط شعارات التضامن الإسلامي الإسمي وهو مجرد يافطة مرفوعة للاستهلاك المحلي , وكل التحديات و الاستعراضات العسكرية الإيرانية في الخليج العربي موجهة على شكل رسائل تهديد لأنظمة المنطقة , فالجانب العسكري في الجيش و الحرس الثوري الإيراني يطلق التهديدات الوقحة و الفظة , فيما تقوم الدبلوماسية الإيرانية بدور معاكس للتطمين و إرسال رسائل الود و الصداقة !!

 وذلك لا يعبر عن صراع داخلي إيراني بين مراكز قوى مختلفة ?

 بل يعبر عن تبادل للأدوار ووفق نفسية مجاملة و مخادعة عرف بها الإيرانيون و تميزوا عبر التاريخ .

الدبلوماسي الإيراني يواجهك بالقبل و الكلام المعسول بينما خنجره المسموم خلف ظهره مستعد للضرب في الوقت المناسب!!

 ذلك ما يقوله التاريخ منذ أيام الخلافة العباسية وحتى اليوم , فذكريات أبو سلمة الخلال و أبو مسلم الخراساني و البرامكة و آل طاهر بن الحسين و غيرهم مجرد أمثلة بسيطة على ما نقول , و يبدو أن خيارات دول مجلس التعاون في تعزيز الملف الأمني و بناء المنظومة العسكرية من خلال الاستعانة بدول و منظومات بعيدة عن الحيز الإقليمي للخليج العربي قد رسم خيارات إستراتيجية بعيدة المدى و مكلفة و غير معروفة ولا مضمونة النتائج .

 فالدور العسكري للقوات الملكية المغربية المسلحة مثلا لا يمكن أن يضيف شيئا إلى عناصر شبكة الحماية الإقليمية لأسباب عديدة بعضها ذاتي و أغلبها موضوعي, فأهل المنطقة بثقافتهم الخاصة و بحمولتهم و إرثهم التاريخي المعروف هم من يستطيع إدارة الصراع بشكل فاعل , كما أن هناك عناصر قوة محلية لم يتطرق لها مجلس التعاون الخليجي و تحتاج إلى قرار سياسي جريء يتجاوز بكثير حالة انتظار الخطر أو انتظار الضربة الأولى إلى المبادرة بتنفيذ فعل وقائي وأهم عنصر وملف إستراتيجي قوي يمتلكه الطرف الخليجي في مواجهة ملفات العدوان الإيرانية هو الملف الأحوازي الذي يمثل الذروة و الكنز في الوضع الإستراتيجي الخليجي .

 فالأحواز التي تعيش منذ سنوات في حالة ثورة شعبية تصاعد أوارها أخيراً تمثل أكبر جانب قوة مهملة في ملف التعامل مع النظام الإيراني صاحب المشروع التبشيري و التصديري الذي شهدناه في العراق ولبنان والذي يحاول اليوم اختراق السيادة الخليجية و توجيه الضربة النهائية للتجربة الخليجية في مملكة البحرين التي تواجه بدورها عدوانا إيرانيا إحتلاليا صرفا يتسلل من تحت خيوط الصراع السياسي الداخلي في البحرين ليصل إلى محطته النهائية في تقويض المملكة وإقامة حكومة الولي الإيراني الفقيه مما سيفتح الباب علنا لإقامة جمهوريات طائفية في الخليج العربي تتحد في النهاية مع قائدها المرجعي في طهران!!

هذا المشروع ليس حلما ولا تهويلا بل أنه أمر واقع تشهد بإمكانية تحققه ما حدث و يحدث في العراق الذي تحول اليوم بفضل جرائم وحماقات صدام حسين البعثي و فشل السياسة الأميركية لحديقة خلفية للنظام الإيراني ولمزرعة ثعابين تسرح فيها أفاعي النظام الإيراني السامة من العملاء العراقيين وغيرهم لتهديد أمن وسلام المنطقة , في التركيز الخليجي على دعم الملف التحرري الأحوازي جوانب قوة رهيبة يدركها النظام الإيراني جيدا ويرتعب من نتائجها .

 والغريب إن أول إشارة لتبني الموقف الأحوازي في الخليج العربي كانت قد صدرت قبل سنوات قليلة من على لسان قائد شرطة دبي الجنرال ضاحي خلفان الذي أشار إلى قدرة الجانب الخليجي على تحريك الملف الأحوازي! ثم لف الصمت ذلك الموضوع..


بصراحة مطلقة وبعيدا عن كل إشكاليات النفاق السياسي أو المراوغة فان لا أمن حقيقي في الخليج العربي من دون تبني الملف التحرري الأحوازي ودعم الثورة الأحوازية وجمع المجاهدين الأحوازيين و تنظيم عملهم و المساهمة الفاعلة في إنشاء منظمة التحرير العربية الأحوازية التي تجمع في إطار تنظيمي وحدوي شامل كل الفصائل الأحوازية المختلفة تحت مظلة واحدة هدفها التحرير النهائي و إبعاد شبح التقسيم الطائفي عن المنطقة.

الأحواز دولة عربية وشعب عربي خليجي أصيل ستكون عودته للساحة الدولية بمثابة نصر خليجي كاسح.. نعلم إن المهمة معقدة و لكنها ليست مستحيلة ومجلس التعاون الخليجي لو أراد حسم النزاع ستراتيجيا فهو قادر , و ما ينقص فقط هو الإرادة الفعلية و الفعل المباشر أما إستيراد الحلول الميتافيزيقية فلن يزيد الوضع الخليجي إلا تعقيدا.. في الأحواز العربية الحرة الدواء و البلسم لسموم الثعابين الإيرانية.

الكاتب :- داود البصري

الاثنين، 16 مايو، 2011

النفيسي:- هل تنتهي مشكلتنا مع الغرب بتأمين مصالحه في منطقتنا ؟

دعوى هذه الورقة: -   أدَعي في هذه الورقة أن عدوانات الغرب على أمتنا الإسلامية عبر القرون لم يكن منطلقها يتوقف عند حدود السيطرة على المواد الخام التي تزخر بها جغرافية العالم الإسلامي (نفط، أخشاب، مطاط، ذهب، نحاس، مايكا، يورانيوم، معادن نفيسة) ولا السيطرة على الممرات والمضائق المائية الإستراتيجية (قناة السويس، باب المندب، مضيق هرمز)

 وأزعم بأن عدوانات الغرب على أمتنا الإسلامية سبق التكالب على النفط وسبق ظهور النفط وسبق انتعاش التجارة الدولية عاملان يساعدان على تفسير الظاهرة العدوانية التاريخية ضد أمتنا الإسلامية التي طبعت سلوك الغرب الأمريكي والأوروبي في تعاطيه للعلاقات مع العالم الإسلامي.

 إذًا: -   هذا محور مهم في الموضوع إذ لو كان العدوان الغربي على أمتنا منطلقه النهائي يتوقف عند حدود المصالح المادية للغرب في منطقتنا لكان علينا لزامًا – لوقف العدوان – أن نفكر ونبتكر أساليب عملية التأمين مصالحه في منطقتنا لرفع العدوان عن أمتنا وإعطائها ومنحها فرصة تاريخية لاستعادة أنفاسها والخطى نحو المستقبل والتنمية الراشدة. لكن الأمر – في رأينا – ليس كذلك، لا بل نزيد فنقول بأنه حتى لو ضمن الغرب مصالحه المادية في العالم الإسلامي فمشواره معنا لا يتوقف عند هذا الحد. 

 إذ نرى – من خلال قراءة سريعة لملف العلاقات بيننا والغرب أن الأخير يروم الهيمنة الكاملة والشاملة علينا بما فيها الهيمنة الروحية والدينية مما يتطلب – من جانبه – التوغل في إعادة صياغتها التاريخية وإلغاء نظام "القيم" لدينا ونسخ نظام "المفاهيم" المرتبطة بمقرراتنا العقائدية والشرعية.

وإذ كان الأمر كذلك – وهذا ما سنثبته إن شاء الله تعالى في هذه الورقة – فهذا يستدعي من جانبنا التمعن في هذا الأمر وابتكار قراءات جديدة للوضع الإقليمي والدولي والتوصل إلى استراتيجيات مضادة تكون مهمتها ضد الهيمنة ومقاومتها والمحافظة على المبادرة الإسلامية في الفعل الدولي.

 ونقولها بكل صراحة بأنه على الحركة الإسلامية – بشتى راياتها ومسمياتها – أن تعي بأن الغرب يستهدفها جميعًا: تلك التي تركب مراكب العنف والقوة المادية وتلك التي تلوح ليلاً ونهارًا بأغصان الزيتون، إذ أن المستهدف هو الإسلام: كتابه ورسوله وشريعته ولغته وحركته وتجمعه البشري ومقدراته المادية والأدبية.

إن تتبع ما يحصل في دوائر صناعة القرار الغربي الأمريكي والأوروبي – وبعد 11 سبتمبر خصوصًا – يقودنا إلى هذه القناعة مصداقًا لقوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى ولأنِ اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} البقرة 120.

 الغرب السياسي: لابد أن نلاحظ أن الغرب ذو وجهين: وجه سياسي وهو الظاهر للحضارة الغربية والوجه الآخر فكري يمثل القاعدة العلمية للحضارة الغربية وموقفها الفعلي من الإسلام والمسلمين. والغرب السياسي كان عبر التاريخ ولا يزال في تعامله مع العالم الإسلامي يروم الهيمنة والسيطرة على المقدرات المادية للمسلمين. ونظرًا لأن النظام الدولي الحالي له قلب (Center  ) يمثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وله أطراف (Periphery  ) حيث تقع بلاد المسلمين بشتى ألوانهم وعناصرهم ألسنتهم ومواقعهم في جغرافيا العالم فإن القلب يتحكم بالأطراف عبر أربعة أضلاع:

 1 – احتكار ثقافة السلاح وتجارته (التقليدي والنووي).
 2 – احتكار النفط والخامات الأخرى (بالذات الإستراتيجية).
 3 – احتكار الشرعية الدولية (عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن).
 4 – احتكار التجارة العالمية والثقافة والإعلام (العولمة).

 الغرب الفكري: -   أما الغرب الفكري والذي يتمثل في منهج الخطاب المعرفي الغربي في رؤيته وفهمه للإسلام فهو يرتكز إلى أربعة مفاصل:
 1 – الموقف من الوحي.
 2 – الموقف من النبوة وشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
3 – الموقف من الإنجازات الحضارية للمسلمين (في ميدان الطب والفلك والرياضيات والجغرافيا وغيره).
4 – الموقف من مسألة تخلف المسلمين الحالي وسببه. (انظر تفاصيل ذلك في كتاب مفيد للدكتور سمير سليمان موسوم بالإسلام والغرب – بيروت 1995).

سنلاحظ من خلال الاستعراض التاريخي لتأويلات الغرب وتفسيراته لهذه المواضيع الأربعة متمثلة بكتابات دوزيه (Doze  ) ولامانس (Lamans  ) وسورديل (Sordell  ) ووات (Watt  ) ورودنسون وحاليًا جيري فالويل (Falwell  ) وبات روبرتسون (Rebertson. P  ) وبيل غراهام (Graham Bill  ) الأب الروحي والديني للرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش) وبات بوكنان (Buchanan. P  ) وغيرهم كثير في عواصم ومدن الغرب سنلاحظ أن هؤلاء جميعًا أنكروا الوحي وأنكروا النبوة وتطاولوا إلى سب النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا دور المسلمين في الإنجازات الحضارية وأكدوا أن سبب تخلف المسلمين هو الإسلام ذاته ومعظم كتاباتهم في حقيقتها اتجهت نحو محاولة تقويض أساس العقيدة الإسلامية المتمثل بالكتاب والسنة الشريفة.

 وهذا الموقع التاريخي للغرب (سياسيًا وفكريًا) من الصعب شطبه من ذاكرة الأمة الإسلامية ونخبها ومفكريها ولذلك على الغرب مسؤولية أدبية كبيرة إزاء الأمة الإسلامية إذا أراد أن يحافظ على مكانته الأدبية بين المسلمين. ومثلما يطالبنا الغرب بتحسين صورتنا لديه فهو مطالب في ذات الوقت – وربما أكثر منا بتحسين صورته لدينا خاصة ونحن نرقب منذ خمسين عامًا وحتى الآن تأييده المريب إزاء العربدة الإسرائيلية في المنطقة. الحركة الإسلامية وقادتها: -   يسوق الغرب علينا – إعلاميًا – بأن قيادات الحركة الإسلامية وكوادرها لا يفهمون الغرب. فالإنسان عدو ما يجعل وسبب جهل الحركة الإسلامية قادة كوادر للغرب

 هو تشبعهم بالثقافة الشرعية الإسلامية الذي يعيق بدوره أي تلاقح فكري ومعرفي مع الثقافة الغربية وأنه لا سبيل – يقول الغرب – لكي تتخلص الحركة الإسلامية من صدمة الثقافة هذه (Cultural Shock  ) إلا من خلال إعادة صياغتها منهجيًا ومعرفيًا وفق المناهج المعرفية الغربية. لذلك يطرح الغرب فكرة إعادة النظر في المناهج التعليمية الدينية المعمول بها في العالم الإسلامي والتي – حسب المقولة الغربية سالفة الذكر – هي السبب في هذا (الفصام النكد) بين الحركة الإسلامية والغرب.

 -   وهذه فكرة غير صحيحة وغير دقيقة ودوائر الغرب السياسية وأجهزة القرار الغربي تعرف ذلك تمامًا.

 لا نشك بأن معظم قيادات الحركة الإسلامية في العالم يفهمون الغرب جيدًا ذلك لأن معظمهم قد درس في الغرب وتلقى تعليمه وتدريبه العلمي في جامعات ومعاهد ومختبرات وحتى مصانع الغرب للحديد والصلب والصناعات الثقيلة.

 فالدكتور حسن الترابي – على سبيل المثال – يتكلم الإنجليزية والفرنسية وتلقى دراساته العليا في السوربون في فرنسا ودرس القانون هناك وأصبح فيما بعد عميدًا لكلية الحقوق في الخرطوم. ود.نجم الدين أربكان مهندس يتقن اللغة الألمانية لأنه تلقى تعليمه في ألمانيا وتخصص في مكائن الديزل وكان كذلك وزيرًا للصناعة في بلدة تركيا.

وراشد الغنوشي يتقن الفرنسية لأنه درس في فرنسا الفلسفة الغربية وأكمل بعد ذلك تعليمه في جامعة دمشق أيضًا في موضوع الفلسفة. وسيد قطب رحمه الله حصل على الماجستير في الإدارة التربوية من جامعة أمريكية ويتكلم الإنجليزية ويقرأها ويكتبها.

 وعباسي مدني (الجزائر) من قيادات الحركة الإسلامية في الجزائر يتحدث ويكتب بالفرنسية. وأنور إبراهيم (ماليزيا) الناشط الإسلامي في ماليزيا تلقى تعليمه في الولايات المتحدة وكان زميلنا في الاتحاد العالمي للطلبة المسلمين وكان من خلال محاضراته وتدخلاته الفكرية منذ كان طالبًا عميق الفهم للغرب ومنظوماته الفكرية وآلياته السياسية.

 لذلك يخطئ من يظن بأن قيادات التنظيمات الإسلامية في العالم هم من طلبة العلوم الشرعية أو الذين يعانون من صدمة ثقافية في تعاملهم مع الغرب ولذا يعادونه ويحرضون عليه في المساجد والمنتديات فهذا غير صحيح. بل نزيد فنقول بأن معظم قيادات التنظيمات الإسلامية لم يتلقوا تعليمًا (شرعيًا) وأن معظمهم تلقوا تعليمًا (علمانيًا) وفي الغرب نفسه وهو تعليم بعيد تمامًا عن الدين وأجوائه، لا بل إن تعمق بعضهم في القراءات الفلسفية كاد يورد بعضهم في مرحلة من المراحل إلى الشك والإلحاد. نقول ذلك لكي نبرهن أن قيادات التنظيمات الإسلامية في العالم وخاصة في الأقطار المركزية (مصر، الجزائر، السودان، تركيا، اندونيسيا، ماليزيا، باكستان) قد احتكوا احتكاكًا جيدًا بلغات وعلوم الغرب وثقافاته ومعاهده وجامعاته ولذا فمن السطحية اتهام البعض لهم بأنهم (لا يفهمون الغرب) بل هم يفهمون الغرب ويتكلمون بلسانه (الإنجليزي والفرنسي والألماني) ويدركون الأبعاد الجيوسياسية لاستراتيجياته في العالم الإسلامي وما يترتب عليها ويتفرع عنها من أوضاع، ولأن قيادات هذه التنظيمات ترى بأن المشروع الغربي (الأمريكي والأوروبي) في منطقتنا هو مشروع هيمنة شاملة علينا لذا سنلاحظ هذه المعارضة البارزة للتنظيمات الإسلامية إزاء المشروع الغربي.

 تحريض غربي ضد الإسلاميين: -   تقول هيلين دانكوس Helene d’Encause   الباحثة الفرنسية عندما كانت تحلل الأزمة الأفغانية بأن الاستراتيجيات الأمريكية والأوروبية ينبغي أن يعاد تصميمها من جديد لمواجهة ظاهرة الصحوة الإسلامية التي ظهرت كقوة على الأرض من الممكن أن تؤثر على ما تسميه دانكوس بالمجال النفطي الإسلامي (I’espace Islamo-pétrolier  ) ويشمل هذا المجال – حسب تعريفها إقليم الخليج والجزيرة العربية.

 لقد حذرت دانكوس من ظهور الإسلاميين في هذا المجال النفطي الإسلامي الذي يشكل إقليم الخليج والجزيرة العربية (قلبه) حيث مكة والبيت العتيق وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كمصدر روحي لاستقطاب هذا العالم الإسلامي مترامي الأطراف ما بين نواكشوط وجاكرتا.

 تقول دانكوس ذلك وتحذر الغرب منه وتذكر الغرب بأن وصول الإسلاميين للسلطة في إيران والسودان وأفغانستان والبوسنة وأدائهم القتالي اللافت في الشيشان ومواجهتهم مع جيش روسيا الاتحادية لفترة طالت واستطالت دليل على (موجه استراتيجية Wave Strategic  ) من المحتمل أن تؤثر على موازين القوى وبالتالي قد تمتد لمناطق أخرى كثيرة تربك تدفق النفط من المجال النفطي الإسلامي نحو الأسواق الغربية الاستراتيجية.

 -   عبّر الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون عن قلقه من الإسلام والمسلمين من خلال كتابين نشرهما. أولهما عنوانه (نصر بلا حرب Victory without war  ) وثانيهما عنوانه: (انتهزوا الفرصة Seize the moment  ) يقول نيكسون في هذين الكتابين أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي 1992م سيواجه الغرب والولايات المتحدة خصوصًا (ماردًا آخر) هو الإسلام فينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل وبسرعة على الإمساك بما أسماه بِـ(الريادة الروحية Spiritual Leadership  ) في العالم قبل أن "يفيق المارد الأخضر من نومه" حسب تعبيره.

 -   ويرى ستيفن بيلليتيير (Stephen Pelletiere  ) وهو بروفيسور يعمل خبيرًا ومستشارًا في كلية الحرب التابعة لرئاسة الأركان في الجيش الأمريكي American Army War College  ) أن العقبة الكأداء أمام الإسلام في الشرق الأوسط لا تتمثل بالحكومات العربية ولا بالشعوب العربية إنما تتمثل بحركة حماس الإسلامية في فلسطين وبحزب الله في لبنان وكلاهما يقول بيلليتيير (أحزاب إسلامية) انظر دراسة بيلليتيير: (حزب الله وحماس: تحديات للسلام Hezballah & Hamas-Challenges to peace:  ).

 -   مارتن كريمر Martin Kramer   مدير مركزز موشى دايان في جامعة تل أبيب سابقًا وأحد أخطر المفكرين الاستراتيجيين الصهاينة الأمريكان وحاصل على جنسية مزدوجة أمريكية وإسرائيلية وكثير الحضور في الأوساط الجامعية الأمريكية.

 يؤكد كريمر بأن على الولايات المتحدة أن تعمل على استئصال الحركة الإسلامية بكل أطيافها من الوجود حتى لو وصلت إلى الحكم عن طريق الاقتراع السري والمنهج الديموقراطي كما حصل في الجزائر وفي تركيا أيضًا.

 ويقول كريمر في ورقة نشرها معهد أسبن The Institute Aspen   في واشنطن 1998م بأنه يتوجب على الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض عدم إضاعة الوقت في فتح حوار مع الحركات الإسلامية بل يحث الإدارة الأمريكية على دعم الأنظمة العربية بكل الوسائل الضرورية لقمع واستئصال تلك الحركات.

 ويقول كريمر إنه لا يجد صعوبة كبيرة في (تفهم) الإدارات الأمريكية الجمهورية والديموقراطية لذلك. هذه أمثلة فقط وعينات عن التصورات الغربية للإسلام والمسلمين. هل ثمة نفط في القدس؟

-   إن أهم انتصار عسكري حققته الحملة الصليبية الأولى (وهي حملة غربية/ أوروبية/ مسيحية) هو استيلاؤها في 1099م على مدينة القدس. لقد ارتكب الصليبيون The Crusaders   بحق سكان القدس المسلمين في ذلك العام أسوأ مجازر التاريخ لم يقفوا عند هذا الحد بل جمعوا أعضاء الجالية اليهودية (وقد كانت جالية صغيرة) في كنيستهم وأضرموا النار فماتوا حرقًا وأصبحت القدس منذ ذلك العام عاصمة الدولة الصليبية التي عرفت باسم مملكة القدس الصليبية.

 (انظر تفاصيل ذلك في كتاب د.سمير سليمان مشار إليه سابقًا).

-   لقد كان واضحًا (البعد المسيحي) من احتلال القدس. فليس في القدس نفط ولا معادن ثمينة ولا حبوب الشرق الإسلامي وبهاراته وتوابله ولا هي تقع على ممر بحري للتجارة الدولية وليس فيها شيء يذكر سوى أهميتها الروحية للمسلمين فكان من المهم بالنسبة للصليبيين تجريد المسلمين من هذه الرمزية الروحية التي تعنيها لهم القدس. وفي هذا دليل تاريخي بأن الغرب ينظر للإسلام على أنه يمثل خطرًا جيو-استراتيجيًا كما أن فيه دليلاً على أن الغرب ليس علمانيًا بالمعنى الذي يحاول أن يشيعه بيننا وأن ثمة بعدًا دينيًا حادًا لسياساته وحملاته العسكرية.

هذا التقاطب التاريخي بين المسلمين والغرب القادم من أوروبا على موضوع القدس دليل مادي على توجس الغرب من الإسلام ومراكزه الروحية. كما أن الموقع الغربي الحالي من استيلاء الصهاينة على القدس وتهويدها والتحالف الاستراتيجي القائم حاليًا بين الغرب والصهاينة (وهو تحالف استمر أكثر من خمسين عامًا ولا زال قائمًا) دليل آخر في هذا السياق.

ألا يفصح ذلك عن بعد ديني لدى الغرب المسيحي في سياساته تجاه موضوع فلسطين والقدس خاصة؟. لم ينقذوا المسلمين في البوسنة والهرسك: -   وفي محور مواز سنلاحظ أيضًا أن هناك نشاطًا غربيًا بارزًا لإبعاد الإسلام تمامًا من منطقة (القلب) في النظام الدولي وخاصة في أوروبا لذا فالتدخل الأطلسي الناشط في البوسنة والهرسك وكوسوفا واتفاقية دايتون Dayton   (نوفمبر 1995م) جاءت جميعها في توقيتها ومضمونها مستهدفة إبعاد المسلمين من هناك عن مركز القرار في البلقان.

لقد أعطى حلف شمال الأطلسي الصرب كل الوقت لذبح المسلمين وجَز رؤوسهم وأعناقهم وبقر بطون حوامل النساء فيهم بينما وبقرار دولي حظر السلاح على المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفا، ومنع تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي في الموضوع بأي شكل من الأشكال، وعندما أثخن الصرب بالمسلمين هناك وافتضح الأمر تمامًا لمن كان له قلب تدخل حلف شمال الأطلسي وكانت إتفاقية دايتون (ورقة التين)، تلك الاتفاقية التي قال عنها الأستاذ المجاهد علي عزت بيغوفيتش: (سلام ظالم خير من حرب عادلة).

 أما تدخلهم الفاضح في تيمور الشرقية وتهديدهم العسكري لإندونسيا وتشجيعهم إقامة كيان مسيحي كاثوليكي مرتبط بالفاتيكان مباشرة وسط الأرخبيل الأندونيسي المسلم فيرد على حجتهم باستمالة قيام كيان إسلامي في البوسنة والهرسك وكوسوفا. لماذا حلال في تيمور الشرقية لهم وحرام علينا في البوسنة والهرسك وكوسوفا؟.

 يجب أن نعيد النظر بأولوياتنا: حيث أن الأمر بلغ هذا المدى فعلينا نحن المسلمين أن نعيد النظر بسلم أولياتنا، لابد:
 أولاً: أن ندرس المشهد العالمي واتجاهات الغرب الإستراتيجية الذي يروم الهيمنة الشاملة والكاملة على العالم الإسلامي.

 ثانيًا: نحصر دائرة الصراع ونقطة التركيز وبؤرة الفعل فيما سبق، ولا نبدد الطاقة والوقت والمقدرات في معارك ثانوية لا جدوى منها.

 ثالثًا: بل أن نجتهد في موضوع الحوار الإسلامي المسيحي ينبغي أن نجتهد في موضوع الحوار الإسلامي الإسلامي وكما نطير إلى روما وبروكسيل ولندن للتباحث مع المطارنة والكرادلة والقسس في كيفيات التعاون الإسلامي المسيحي حري بنا أن نطير إلى المدينة المنورة والقاهرة وطهران وجاكرتا وكوالالمبور ودمشق وغيرها من عواصم الإسلام للتوصل إلى صيغة وفاق وتفعيل لمنظماتنا العالمية الضخمة.

 رابعًا: الاشتغال فورًا في بلورة إستراتيجية شاملة تستهدف المقاومة والصد لرياح الهيمنة الغربية على كل صعيد. ليس هذا طلبًا للمواجهة غير المتكافئة، فليس إلى هذا ندعو الآن، لكن لابد من المقاومة والصد. إن مقاومة الهيمنة – بالذات الأمريكية كما تتبدى في العراق وأفغانستان – فريضة شرعية وهي كذلك ضرورة إستراتيجية للأمة.

 خامسًا: لأن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل (مركز الثقل) بالنسبة للغرب. وهي الوريث لمشروع للهيمنة الأوروبي وبالذات البريطاني وهو الذي يمد المشروع الصهيوني بأسباب البقاء والتفوق العسكري فلا يمكن تحقيق النقلة النوعية للأمة الإسلامية من هذه المرحلة الغثائية (كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم) إلا من خلال التركيز على مقاومة (مركز ثقل) الغرب الذي تمثله الولايات المتحدة.

 وينبغي التوضيح دائمًا أننا لا نقاوم إلا لحماية أنفسنا من عدوان الإدارات الأمريكية. هدف إستراتيجية المقاومة – كما يرسمها العقل الإستراتيجي المسلم د.حامد عبدالماجد قويسي – هو "إحداث خلخلة في النظام الدولي الآسر للأمة الإسلامية بالتصدي والمقاومة لمركز الثقل الغربي الذي تمثله الولايات المتحدة".

لابد من ابتكار الوسائل الجديدة لمقاومة الهيمنة الأمريكية وصد رياح السيطرة الغربية وعدم الاستسلام لها في هذه المرحلة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


الكاتب :- الدكتور عبدالله النفيسي