الأربعاء، 20 يوليو، 2011

قندهار السورية !

جريدة الحياة اللندنية 18 من شعبان 1432هـ / 19 من يوليو 2011م

استاء عدد من المثقّفين والناشطين المعارضين في سورية من إطلاق قندهار الأفغانية وصفًا على مدينة حماة المنتفضة. والاستياء هذا كان تعبيرًا صريحًا عن أن الحساسية الأعرف والأذكى في الانتفاضة السورية تعتبر القندهارية حالة لا تستحق إلاّ التنصّل واللفظ بعيدًا.

ويعلم هؤلاء، ونعلم معهم، أنه في مقابل كل صوت ارتفع في سورية داعيًا إلى السلفية أو إلى حكم الشريعة، ارتفعت مئة ألف صوت داعية إلى الديموقراطية والوحدة الوطنية والسلمية.

لكن المدهش، هو أن النظام إذ يستخدم، عبر مقرَّبيه وأبواقه، أوصافًا كهذه، يكون يصنِّف إحدى مدنه وبعض أبناء شعبه على هذا النحو. وأمر كهذا يدل على نظرة مترسِّخة في السادة الذين ما إن يرفض العبيد عبوديّتهم لهم حتى يواجهوهم بالرَّذْل ويُخرجوهم من خانة التمدّن المتعارَف عليها. هكذا، وبين طرفة عين وانتباهتها، يتحوّل «شعبنا العظيم» حُفَنًا قندهارية متعصِّبة ترسّبت عن القرون الوسطى.

والحال أن تصديقنا للمماثلة بين حماة وقندهار يضعنا أمام مشكلة أخرى: ذاك أن المدينة المذكورة، مثلها مثل سائر سورية، محكومة بنظام لم يتغير منذ 1963. فهل يعقل أن تكون هذه السنوات الـ 48 بريئة من تردٍّ كهذا، ونحن نعلم أن حماة تعرّضت لقصف صغير في 1964 ولقصف كبير في 1982 اقتُلع معه معظم أحيائها القديمة وسقط فيه آلاف الضحايا؟ ونعلم كذلك أن حماة الموصوفة تقليديًا بالمحافظة الدينية، لم تَحُلْ محافظتُها الدينية هذه دون انعقاد لواء زعامتها -حتى وصول البعث إلى السلطة وتعطيله السياسة- لأكرم الحوراني، العلمانيّ الذي جمعته خصومة شهيرة بالتيارات الدينية.

 أما الأسماء الحموية التي برزت في تاريخ سورية الحديثة، من توفيق الشيشكلي إلى نجيب البرازي وأديب الشيشكلي وعبد الحميد السرّاج، ومن مصطفى حمدون إلى عبد الغني قنّوت وخليل كلاّس وعبد الكريم زهور، فيمكن أن يقال فيها، على اختلافها الكبير، كلَّ شيء سلبيّ أو إيجابيّ، ما عدا أنها أصولية ودينية.

بلغة أخرى، إذا نمّ كذب المماثلة بين المدينتين عن نظرة النظام إلى شعبه، فإن صحة المماثلة تدل إلى سجلّ أفعاله وحصاد يديه المرّ.
بيد أن المسألة غير هذا وذاك، فوراء التشبيه القندهاري، بصرف النظر عن كذبه أو صدقه، يقيم وعي سقيم يزعم الانتماء إلى الحداثة والتعبير عنها. والحداثة في هذه النظرة، شكلانيّةٌ وأداتيّةٌ بحتة، لا تتعدّى المظهر، أكان شخصيًّا (المأكل والمشرب والملبس) أم جمعيًّا (الجيش والحزب والعقيدة وأشكال التنظيم).

وهذه، على أهميتها، لا تكفي بذاتها حائلًا دون القسوة التي قد تبلغ حدَّ البربرية. فالستالينية، في هذا المعنى، كانت حديثة جدًّا، وكذلك النازية، أولاهما كانت ملحدة والثانية وثنية، والاثنتان عُرفتا بدرجة بعيدة من الانتظام والتنظيم والصلة بالعلم والاستخدام الممنهج لأدوات القتل، على ما تجسَّدَ خصوصًا في أفران الغاز الهتلرية. وغني عن القول إن البدائية القندهارية لا تستطيع مثل تلك الأعمال التي تمتُّ بوطيد الصلة إلى العصر الصناعي وثماره، وإن كانت تستطيع إتيان أعمال أخرى رهيبة ومهولة.

يبقى أن نقد التخلّف القندهاري من موقع الحداثة الستالينية–النازية شيء، ونقده من موقع الحداثة التي ترتكز على القانون وعلى النزعة الإنسانية شيء آخر تمامًا، فالذي يحقّ له أن ينفر من القندهارية ومن الأصولية الدينية والمسلحة عمومًا، هو الذي يُجري انتخابات يصل عن طريقها إلى السلطة، ثم عن طريقها يتخلى عن السلطة، مؤمنًا بالمساواة الفعلية أمام القانون، ومستبعدًا العنف من ساحة التداول السياسي. وبديهيٌّ أن أغلبية الذين يدينون القندهارية والسلفية وسواهما، مأخوذين بأنظمة «حديثة» لا تعرف من الحداثة إلا تنظيم القتل وتخوين الآخر واستئصاله، هؤلاء أسوأ وأوحش من التخلف الذي يدينونه في قندهار.

البحرين ليست لبنان يا جنتي

السياسة الكويتية 18-شعبان-1432هـ / 19-يوليو-2011م

أكثر ما يثير السخرية هو أن يتحدث مسؤول إيراني عن الإسلام او يدعو دولة مسلمة الى الحكم بالدين الحنيف, فكأنه النعامة الدافنة رأسها في الرمال لا يرى ما حوله, ولا طبيعة الانظمة القائمة في تلك الدول. احمد جنتي, المسمى رئيس مجلس صيانة الدستور الايراني, قفز عن التعسف الذي تمارسه دولته ضد شعبها متخلية عن ابسط قواعد الاسلام: العدل وعدم اشاعة الظلم والفرقة, وسبح بشططه الى مملكة البحرين مطالبا بـ" ان يفتح المسلمون هذا البلد",ناسيا ان الحكم الخليفي في بلاد دلمون مستمر منذ اكثر من 250 عاما, بفضل استناده الى الاسلام الصحيح في ادارة شؤون العباد طوال كل تلك السنوات.

الصفاقة السياسية الإيرانية ليست جديدة على دول الخليج العربية التي تدرك السبب الكامن خلف ذلك العهر الذي تمارسه طهران وهو وهم الاعتقاد بالقوة الإقليمية المطلقة, او"شرطي الخليج" الذي تأسست عليه الذهنية الحاكمة هناك, ومنه استمدت لغة خطابها في العلاقات الاقليمية, الا ان هذا الوهم ما انفك يعشش في العقل السلطوي الايراني رغم ان الاحداث اثبتت طوال العقود الماضية ان ليس هناك شرطي يتحكم بالمنطقة لان دولها ليست قاصرة او خارجة على القانون كما هي الحال مع البلطجي الايراني المسمى بالفارسية"كردن كلفت" الخارج على كل القوانين والاعراف والمعاهدات, والغارق بالارهاب حتى اذنيه, وهذا يفرض على نظام طهران ان يفهم حقيقة الامور في المنطقة, وانه لا يتمتع بأي وصاية لا على الشيعة العرب ولا على اي دولة, وانه ليس قوة اقليمية متفردة بالقرار, وان كل التظاهرات العسكرية الاعلامية ليست اكثر من استعراض كاريكاتوري لن تمنع عنه المصير المحتوم الذي يسير اليه طواعية.

ما يجب ان يدركه, ليس جنتي وحده, بل النظام الايراني برمته, هو ان تشبيح"حزب الله" في لبنان على الدولة لا ينطبق على البحرين, وان الحوار الوطني الذي يجري حاليا في المنامة يستند الى اعتبارات وطنية بحتة, وليس الى معطيات مذهبية, وبالتالي هو لن يكون كما يشتهي قراصنة السياسة الفارسية, فأهل البحرين ادرى بما يريدون اكثر من غيرهم, ولذلك لا انسحاب واحدة من الجمعيات المشاركة في الحوار يعني انسحاب الشيعة, لانها لا تمثلهم كلهم, ولا التهويل الاعلامي يجدي نفعا في عملية الابتزاز التي تمارسها طهران مع المنامة او غيرها في المنطقة لتمرير ما تريد.

اذا كان بعض الضالين عن المسار الوطني البحريني اخذتهم العزة بالإثم ورأوا انهم يستطيعون فرض شروطهم على الغالبية الشعبية والحكم فهؤلاء مخطئون, وهم عاجلا او آجلا سيدركون حجم الخطيئة التي يرتكبونها بحق وطنهم وشعبهم بتلك الشروط التي خرجوا فيها على الاخلاقيات السياسية والوطنية التي تسود المنطقة, وبالتالي عليهم ان يدركوا حجمهم الطبيعي الذي لا يؤهلهم, ولا من يحركهم من خلف البحر لفرض اي شرط, فلن يكون الملك في البحرين ملكا صوريا, ولن يفرضوا اعادة صياغة جوهر نظام الحكم في المملكة التي باتت مثالا للديمقراطية العادلة, بل اصبح لزاما عليهم الآن التيقن ان غالبية الشيعة في البحرين والمنطقة ككل تخالف تلك القلة السياسية في اوهامها.

النظام الإيراني مدعو مجددا الى العودة للتاريخ وقراءة موقف الشيعة العرب من السياسة الفارسية عبر السنين وحتى القرون الماضية, ورفضهم تجيير أوطانهم لخدمة المشروع الفارسي, فهم لم يسقطوا في فخ شعار "الدولة الاسلامية" الزائف الذي تتخفى خلفه طهران, بل ان ابناء الخليج قاطبة يرون في الاسلام الايراني اسلاما سياسيا خاضعا للاهواء السلطوية التي تسير هذا النظام, وليس الاسلام الحقيقي المتسامح المعتدل والعادل,ولذلك لن يستطيع جنتي ولا من هو أعلى منه كعبا في طهران ان يزور الحقيقة, اذ ان الجميع في المنطقة يرون في التصريحات والخطب التي تطلق بين الحين والاخر رعشات احتضار نظام الملالي الذي حانت ساعته.

الكاتب :-
أحمد الجارالله

إيران والانسحاب الأمريكي من العراق

الخليج الإماراتية 14-شعبان-1432هـ / 15-يوليو-2011م

أثناء الحملة الانتخابية للوصول إلى البيت الأبيض، تضمن برنامج المرشح الرئاسي، باراك أوباما انسحاباً أمريكياً من العراق، وتركه لأهله ليقرروا مستقبل بلادهم . وإثر إعلان فوزه كرر أوباما أثناء حفل تنصيبه ما وعد بتنفيذه، وأشار إلى أن احتلال الأمريكيين للعراق كان اختياراً، أما في حالة أفغانستان، فإن بلاده دخلتها مكرهة، لمواجهة إرهاب القاعدة . وتقرر أن تكون نهاية هذا العام موعداً لانسحاب جميع القوات الأمريكية من العراق .

في هذه الأيام، يحتدم جدل بين القوى المشاركة في العملية السياسية في العراق، حول الانسحاب الأمريكي من أرض السواد . وتطالب بعض القوى بتمديد فترة وجود الجيش الأمريكي، تحت ذريعة أن مؤسستي الجيش والأمن ليستا في كامل جاهزيتهما للدفاع عن البلد وتأمين استقراره .

مناقشة موضوع الانسحاب، وموقف مختلف القوى السياسية منه، يقتضي قراءة تفصيلية للقوى الفاعلة في الصراع . ومصلحة كل منها في بقاء أو رحيل الجيش الأمريكي من العراق . وذلك على أهميته ليس موضوع هذا الحديث .
إن الهدف هو مناقشة الموقف الإيراني من الانسحاب ليس غير .

التركيز على إيران، يأتي في سياق موضوعي . فرغم أن احتلال العراق تم بقوات أمريكية شاركتها قوات بريطانية، وقوات رمزية حليفة، إلا أن إيران هي البلد الوحيد، الذي شاطر الأمريكيين المسؤولية في إدارة احتلال العراق، وتأمين الاحتياجات البشرية لإدارة الدولة، من خلال مشاركة أتباعها بقوة في الحكومات الانتقالية التي شكلها المندوب السامي، بول برايمر . وأيضاً بالدور الذي لعبته ميليشيات المجلس الإسلامي الأعلى، في تدمير الدولة الوطنية العراقية، وقد شكلت هذه الميليشيات العمود الفقري للجيش والأمن اللذين أسسا بعد الاحتلال، استناداً إلى المحاصصات الطائفية .

قراءة الموقف الإيراني على هذا الأساس، لن تكون مجرد استشراف لموقف قوة إقليمية مجاورة من التطورات والأحداث التي تجري في العراق، بل إنه أكثر من ذلك بكثير . فتشابك المصالح وتداخلها بين إيران والإدارة الأمريكية، والمغانم التي حققها الإيرانيون، في أرض السواد، على مختلف الصعد منذ عام ،2003 ترجح أهمية موقفهم، لاستشراف مستقبل عراق، ما بعد نهاية الاحتلال .

علاوة على ذلك، تساعدنا قراءة الموقف الإيراني، على التنبؤ بموقف مختلف الأطراف السياسية العراقية، المنهمكة في الصراع بما في ذلك المرجعية الدينية، وحزب الدعوة والتيار الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى، وشخصيات أخرى ارتبطت بالاحتلال، كالجلبي والجعفري وعلاوي . وهي قوى تمثل غالبية البرلمان العراقي، وترتبط بشكل أو بآخر بالموقف الإيراني .

في هذا السياق، نميز بين الشعارات التي تطرحها إيران، الداعية بالموت لأمريكا، وبين الموقف المنسق مع الأمريكيين، منذ انتصار الثورة نهاية السبعينات . وكانت علاقة التنسيق مع الأمريكيين قد بدأت في الأيام الأولى للثورة بعد احتجاز أعضاء السفارة الأمريكية من قبل الحرس الثوري الإيراني . حينها كان التنافس مريراً بين الرئيس الأمريكي كارتر، الديمقراطي، ومرشح الجمهوريين رونالد ريغان الذي فاز بالرئاسة دورتين متتاليتين .

وقد كشفت الوثائق عن اتفاق بين المرشح الجمهوري وحكومة الثورة الإسلامية، لتأجيل إطلاق سراح الأسرى الأمريكيين، ريثما تنتهي الانتخابات بفوز مرشحهم . وتم الاتفاق بوساطة جزائرية .

التعرف إلى الموقف الإيراني من الانسحاب الأمريكي، يقتضي تقديم مقاربة بين ما يحققه الإيرانيون من مكاسب وخسائر في حال استمرار بقاء الأمريكيين في العراق، وتبعة الانسحاب على أوضاعهم المحلية والإقليمية والدولية .

بمعنى أن القراءة الصحيحة والدقيقة هي التي يوضحها جدول الأرباح والخسائر الإيراني في الحالتين معاً: حالة استمرار الوجود الأمريكي في العراق، وحالة الرحيل . ضمن الإيرانيون تحقيق احتلال غير مباشر للعراق، من دون تقديم ثمن لذلك . فهم يسيطرون الآن على جميع مرافق الدولة العراقية، ويرسمون سياساتها، ولم يعد موضع شك وجود مقرات أمنية واستخباراتية إيرانية في مناطق الجنوب العراقي .

وهناك تقارير دولية تشير إلى سطو إيراني على نفط البصرة، واستيلاء بالكامل على بعض حقول الإنتاج في المناطق القريبة من الحدود، بدعوى تبعيتها لإيران. كما ضمن الإيرانيون تأجيل المواجهة الغربية مع إيران حول الملف النووي.
فتعقيدات الملف العراقي وتشابك العلاقة بين مصالح إيران والإدارة الأمريكية، أصبحا عاملاً رئيسياً في لجم المواجهة العسكرية مع إيران، لتدمير منشآتها النووية . إن انسحاب الأمريكيين من العراق، يعني تحررهم من قوة ضغط الملف العراقي عليهم، بما يمكنهم من التفرغ لمواجهة إيران .

خروج الأمريكان من أرض السواد، سيجعل الإيرانيين وعملاءهم في مواجهة محتومة مع المقاومة والشعب العراقي. فهم لن يتركوا لشعب العراق الحرية في الإمساك بزمام مقاديره، ويضحوا بما غنموه من حضور سياسي وأمني واقتصادي بعد الاحتلال الأمريكي.
وسيجد المقاومون العراقيون أنفسهم في حرب لا مفر منها لكبح جماح التدخل الإيراني في شؤون بلادهم، إضافة إلى ما هو متوقع من مواجهة بين أمريكا وحلفائها في الغرب والكيان الصهيوني لحسم ملف إيران النووي.

وبالنسبة للأمريكيين، فرغم وعود الرئيس أوباما بالانسحاب من العراق هذا العام، لكن من الصعب تصور حدوث ذلك، نهاية هذا العام. والقراءة التاريخية تؤكد أن الأمريكيين، منذ دخولهم على المسرح الدولي بقوة بعد الحرب الكونية الثانية، لم ينسحبوا باختيارهم من أي بلد تمكنوا من دخوله. لكن ذلك سيبقى موضوعاً مؤجلاً للمناقشة في حديث آخر بإذن الله.

الانسحاب الأميركي والحروب العراقية الساخنة !

السياسة الكويتية 15-شعبان-1432هـ / 16-يوليو-2011م

لا شك إن صيف العراق الطويل والقاسي والمرهق في ظل تواصل دولة الفشل العراقية الطائفية، التي تقودها أحزاب وجماعات عجفاء وكسيحة، سيترك مؤثراته المتعبة في الوضع العام.

فالأحزاب والقيادات العراقية المفلسة تبادلت التهاني فيما بينها بمناسبة انقلاب الرابع عشر من يوليو عام 1958 الدموي ضد الشرعية الدستورية الملكية الهاشمية التي قادت العراق من العدم بعد قرون طويلة من الاحتلال والهيمنة الأجنبية منذ سقوط بغداد وتلاشي الخلافة العباسية عام 1258.

ويبدو أن حجم وكمية الدماء العبيطة التي أهدرت وسفحت في ذلك اليوم الأسود من تاريخ العار السلطوي العراقي الحديث قد استثار رغبات وميول الطبقة الجديدة من الحكام ومعظمهم من رجال الميليشيات الطائفية أو العنصرية أو الحزبية بدءا من رئيس الجمهورية جلال طالباني مرورا برئيس الوزراء "الدعوي" نوري المالكي ووصولا إلى رئيس البرلمان المحروس و"التعبان" أسامة النجيفي صاحب راية التقسيم الجديدة وطبعا يشاطرهم في ميولهم الدموية، ذلك العدد الهائل من الأحزاب والعصابات والجماعات المختلفة الأسماء والعناوين والتي يجمعها التخلف والتوحش والهمجية.

فأولئك بدلا من الاعتذار والتبرؤ من الماضي المعيب حينما تمت إبادة العائلة الحاكمة السابقة، وخيرة رجال العراق ببرودة دم وبوحشية فظيعة فإنهم يمجدون القتلة والمجرمين ويقدسون الجريمة الدموية، وحيث يقودون العراق اليوم نحو الجحيم بالعقلية نفسها وأسلوب حكام ما بعد 14 يوليو إنه التخلف المفرط وهو يفرز أسوأ نفاياته، المهم إن الزمن بات يطوي أيامه سريعا نحو موعد الانسحاب العسكري الأميركي بموجب الاتفاقية ألأمنية وهو موعد لا يبدو أنه سيكون مقدسا ولا حتميا.

فالحالة في العراق تعيش فشلا قظيعا ومتأزما في ظل فشل النخب الحاكمة في إخراج العراق من عنق الزجاجة، والحكومة الطائفية الحاكمة تترنح تحت أنواء الفشل الدائم، والميليشيات الطائفية المتنافسة، وأبرزها ميليشيا التيار الصدري المتخلف باتت تحاول تعزيز مواقعها بالتعاون مع الإيرانيين لتفرض حالة سلطوية ذات نمط متخلف وخاص سينتعش بمجرد رحيل الأميركيين وسحب آلتهم العسكرية.

فالنظام الإيراني سيملأ الفراغ العراقي القاتل من خلال العصابات الصدرية المختلفة الأسماء والعناوين كـ"جيش المهدي" أو"لواء اليوم الموعود" أو "عصائب أهل الحق" ! وهوما يعرفه الأميركيون جيدا ويعون أبعاده بالكامل، لذلك كان تصريح وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا حول نية الوحدات الأميركية المقاتلة تطوير قواعد الاشتباك مع الميليشيات الطائفية المدعومة إيرانيا إشارة واضحة إلى أن ذلك الانسحاب الموعود لن يتم في موعده أواخر العام الحالي، والأسباب واضحة بدءا من تدهور الحالة الداخلية في العراق وعودة العمليات الإرهابية، وتضعضع الحالتين الأمنية والعسكرية ووصولا الى الوضع الإقليمي العام وهو وضع حساس ومتشابك في ظل أحوال الانتفاضات العربية واحتمالات المواجهة المباشرة مع إيران في سورية أو لبنان أو الخليج العربي، وساذج كل من يتصور أو يعتقد بأن الولايات المتحدة تفكر في الانسحاب من العراق لا حاليا ولا مستقبلا، لأن الوجود العسكري الأميركي الفاعل في الشرق الأوسط باتت الإستراتيجية الأميركية تقطف ثماره حاليا وليس من المعقول ولا المنطقي أن لا تكمل الولايات المتحدة المهمة التي بدأت منذ عام 2003 .

كل الخيارات والوقائع باتت تتجه لاستمرار التواجد الأميركي في العراق لأهميته الإستراتيجية القصوى في المرحلة الراهنة على الأقل، وهي واحدة من أصعب وأدق المراحل في تاريخ التكوين السياسي الحديث للشرق الأوسط،لقد حانت لحظة الحقيقة، فلا انسحاب ولا تراجع، بل تعزيز للمواقع وبناء للمرتكزات الأساسية للوجود الأميركي الدائم في العراق والمنطقة، وهو ما يعني الدخول في مواجهات عسكرية طاحنة مع الميليشيات الطائفية العراقية المدعومة إيرانيا كجزء من خطة التفتيت الشامل لكل الخلايا الإيرانية في الشرق الأوسط.

معارك العراق الداخلية وإنهاء العصابات الإيرانية ستشكل الصورة النمطية الجديدة لإدارة الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، فتابعوا كرنفالات الدم في العراق ففي فوضويتها وعبثيتها وصورها الصورة المستقبلية لعراق التناحر الدموي، المنطقة بأسرها تعيش متغيرات مرعبة، تلك هي الحقيقة العارية وبلا رتوش ولا أوراق توت.


الكاتب :- داود البصري

سوريا تنكشف

جريدة الشرق الأوسط اللندنية 13 من شعبان 1432هـ / 14 من يوليو 2011م

«رحلة سريعة قام بها مراسلنا إلى مدينة حماه».

«مقابلات تمكنت مراسلتنا من تسجيلها بعيدا عن أعين الأمن السوري».

«موفدتنا إلى سوريا: أطباء يداوون جرحى المظاهرات في عيادات سرية».

قرأنا مرارا تلك العناوين وغيرها في صحف ووسائل إعلام غربية خلال الأسبوعين الأخيرين، وهي وسائل إعلام سمحت لها السلطات بالدخول إلى سوريا. هذا الإجراء، أي السماح لوسائل إعلام غربية بالدخول إلى سوريا، أمر يحدث للمرة الأولى منذ اندلاع حركة الاحتجاجات التي سبق أن طوقها النظام بالدبابات وبالحصار الإعلامي.

صحيح أن خطوة النظام أتت في إطار حملة دعائية للتخفيف من الضغط الداخلي والدولي، إلا أنها ترافقت مع تضييق على الموفدين الصحافيين من حيث عرقلة زيارتهم لأماكن الاحتجاجات وحصر أذون التصوير للمظاهرات المؤيدة للنظام.

لكن يبدو أن الإصرار الكبير الذي يظهره كل يوم المحتجون السوريون بات أقوى وأكثر نفاذا إلى أعين وآذان المراسلين الذين تحدتهم طاقات المحتجين السوريين بعد أن استمات هؤلاء في بث صور ثورتهم ومحنتهم بأنفسهم من دون منة من أحد.

قد تكون ما بدأت تكشفه التقارير الصحافية التقليدية هو تأكيد لما كنا شاهدناه وسمعناه وخبرنا إياه السوريون أنفسهم وجوبهوا بحملة دعاية وقتل شرسة حاولت تظهيرهم كمتآمرين قتلة ومندسين.

لكن الوقائع تتكشف وتظهر كيف تحول المحتجون السوريون إلى مسعفين وأطباء وموزعي معونات، ومع كل ذلك إلى صحافيين. لقد نزلوا إلى الشارع للمطالبة بالحرية وصوروا، بل واستبسلوا في نقل ما تيسر من صور تظهر عسف وقمع النظام لهم ولأطفالهم ولمرددي هتافاتهم..

وصل الأمر ببعضهم أن صور موته بنفسه، كما نقلت صور قبل أيام لشخص كان يصور كيف يطلق عناصر «الشبيحة» الرصاص قبل أن يظهر شخص غير واضح الملامح ليطلق رصاصة سمعت بعدها حشرجة صوت الشاب الذي كان يلتقط الصورة.

لقد كسرت تقارير وسائل الإعلام التقليدية التي بدأت تخرج من سوريا احتكار الناشطين السوريين للتغطية من دون أن تجردهم من أي مصداقية لكل ما صوروه ونقلوه خلال أشهر الاحتجاجات الأخيرة. لكن يبقى أن فترة السماح الجزئي التي نالها الإعلام التقليدي الغربي لن تطول، ذلك أن اقتحام مبنيي السفارتين الأميركية والفرنسية يؤشران إلى ذلك. فالنظام في سوريا أدرك على ما يبدو أن المواجهة لا تتحمل إفساحا في المجال لوسائل الإعلام التقليدية. التوجه إلى السفارتين الأميركية والفرنسية لا مضمون سياسيا له سوى قرار بفتح المواجهة مع المجتمع الغربي ومن ضمنه وسائل الإعلام.

كلنا سمع عشرات التصريحات لمسؤولين غربيين يقرنون مطلبهم السماح بالتظاهر بالسماح لوسائل الإعلام المحايدة في نقل مشهد التظاهر. لا معنى للمظاهرة من دون كاميرا تلتقطها ومجرد أن يتاح لوسائل الإعلام الدخول سيرتد ذلك على النظام وبالا. ستتعاظم المظاهرات وسيتعاظم نقلها وسيهتز النظام أكثر. إنها دائرة مقفلة في وجه النظام.

لا شيء أمامه سوى المواجهة، أما الإصلاح والحوار فهذه فرية بحقه لن تصمد طويلا..
ألم يكن مسؤولو النظام يصدحون بالدعوات للحوار بينما شبيحته يجزون أعضاء وحناجر؟

الأحد، 17 يوليو، 2011

السفير الأمريكي في حماة.. "لعبة مكشوفة"

موقع الإسلام اليوم 12 من شعبان 1432هـ / 13 من يوليو 2011م

كان ضروريًّا تقديم وزارة الخارجية الأمريكية توضيحًا يكشف حقيقة زيارة السفير الأمريكي في دمشق لمدينة حماة المحاصَرة من الجيش السوري؛ ذلك أنّ النظام السوري وظّف جيدًا هذه الزيارة لخدمة دعايته بأنَّ الثورة السورية مُحَرَّكة بأصابع خارجية!

وزارَة الخارجية الأمريكية أكّدت أنّ السفير أخطر السلطات السورية بموعد الزيارة، وأنّه مرّ على الحواجز الأمنية والعسكرية قبل الوصول إلى حماة، بصفته الدبلوماسية وأمام أعيُنِ السلطات السورية، أي أنه ليس متسللاً ولا متخفيًّا، كما حاولت السلطات السورية إظهار ذلك!

لماذا إذن تغاضت السلطات السورية عن زيارة السفير الأمريكي؟ الجواب بديهيٌّ؛ لأنّها تعتقد أن هذه الزيارة بمثابة هديةٍ لها، يمكن استغلالها وتعليبها بالقالب الإعلامي والسياسي الذي تريد.

اللعبة مكشوفة ولا أظنُّ عاقلاً في الكون يمكن أن يظنَّ أنّ بمقدور سفير الولايات المتحدة أو غيره أو حتَّى أي قوى -مهما كانت قوتها- تحريك الملايين في مسيرات ومظاهرات، فكيف الحال في العالم العربي والإسلامي الذي يعجّ بمشاعر الغضب من السياسات الأمريكية المؤيدة والمتواطئة مع إسرائيل!

وكيف يستقيم تحذير النظام من "بديل إسلامي متطرف" ودعوَى التحالف مع الولايات المتحدة!

إلى الآن، المواقف الأمريكية والإسرائيلية والغربية عمومًا تتراوح في حدود التواطؤ مع "بقاء النظام السوري" أو إرهاقه فقط، دون إسقاطه خوفًا من البدائل السياسية، وهذه هي وجهة النظر الإسرائيلية الاستراتيجية منذ سنوات.

زيارة السفير الأمريكي خدمت النظام ولم تخدم أهل حماة.. لكن دَعُونا نأخذ الأمر من زاويةٍ أخرَى مختلفة قليلاً؛ يجوب السفراء والدبلوماسيون الأمريكيون المدن العربية شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا، ويحظون برعاية رسمية ودلال استثنائي، ويتدخلون في الشؤون الداخلية، وتحظَى تقاريرهم باهتمام من أعلَى المستويات (فضائح ويكيليكس)، ويلتقون بأعوان الأنظمة وموظفيها، ولا أحد يتحدث أو ينكر ذلك، بل يخطب جميع هؤلاء "ودّ" السفراء وصداقتهم، حتى في سوريا وغيرها من دول عربية مختلفة.
لماذا تقوم الدنيا ولا تقعد عندما يذهب سفير أمريكي ليرى آلام ومعاناة الناس في مدينةٍ محاصرةٍ، ويقترب من مطالبهم العادلة بالحرية والكرامة واستعادة حقوقهم الإنسانية! هنا فقط تحرّك الأنظمة إعلامييها وسياسييها ودعايتها، فسيادة الدولة تصحو فقط عند هذا المنعطف، أما قبل ذلك ولقاء سياسيي السلطة وأصحابها وجولات السفراء فلا تمسُّ السيادة الوطنية، سبحان الله!

سوريا من أكثر الدول في العالم التي تعاونت مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب"، وكان هنالك "قناة خلفية" بين الأجهزة الأمنية في الدولتين، وساهم الأمن السوري بالتواطؤ مع الاستخبارات الأمريكية باعتقال أنصار القاعدة وبتعذيبهم، وقد أبدى المسئولون السوريون غضبهم قبل سنوات من عدم تذكُّر الولايات المتحدة لـ"الجميل السوري" معها، وتجاوزها عن هذه "الخدمات" الجليلة!

قصة الثورة السورية أكبر من هذه الألاعيب المكشوفة، إنّها رغبة دَفِينة عارمة حقيقية مشروعة من قِبَل الناس بأن يتخلصوا من نظام أمنِيٍّ قمعي لا إنساني، أن يشعروا بكرامتهم وإنسانيتهم، ما بعد ذلك أو دونه من صراعات أو صدامات أو قوى سياسية فمسألة ثانوية، ليست هي القضية، بعد التحرُّر يمكن أن تحدث تسويات داخلية أو صفقات، كما هي الحال في مصر، لكن الحرية أولاً.

الكاتب :-محمد أبو رمان

رؤية للمعارضة الديمقراطية الإيرانية

جريدة الشرق الأوسط اللندنية 12 من شعبان 1432هـ / 13 من يوليو 2011م

من الأقوال المأثورة على لسان رجل الدولة في القرن الثامن عشر، إدموند بيرك، قوله: «إن كل ما يحتاجه الشر كي ينتصر هو أن لا يحرك الأشخاص الصالحون ساكنًا».

وفيما يخص شر النظام الإيراني، نجد أن الرجال والنساء الصالحين في إيران يقومون بواجبهم، لكن القلق يساورهم حيال وقوف الحكومات الغربية بلا حراك.

الملاحظ أن الشعب الإيراني يتمتع بتاريخ تليد وثقافة عظيمة، تعرضت للأسف للتشويه على يد الرئيس محمود أحمدي نجاد، والملالي الراديكاليين الذين يحكمون البلاد حاليًا.

ومع ذلك، يبقى الشعب الإيراني على استعداد وقادرًا على إحداث التغيير الذي تحتاجه البلاد بشدة.

مؤخرًا، أتيحت لي فرصة معاينة هذا الحماس والالتزام بالتغيير، أعرب عنه عشرات الآلاف من المنفيين الإيرانيين عندما حضرت تجمعًا هنا في فرنسا لدعم المعارضة الديمقراطية، المتمثلة في جماعة «مجاهدين خلق».

عام 1997، أدرجت «مجاهدين خلق» في قائمة المنظمات الإرهابية من قبل الولايات المتحدة، في إجراء كان بمثابة جزرة في إطار محاولة لتغيير سلوك النظام الإيراني العنيد. ولم يرفض النظام تغيير سلوكه فحسب، وإنما سرع من وتيرة البرنامج النووي وسياسات تدميرية أخرى. والآن، أسقط الاتحاد الأوروبي وبريطانيا «مجاهدين خلق» من القوائم الراهنة للمنظمات الإرهابية.

عندما أتيحت لي فرصة تقلد منصب عمومي كوزير للأمن الداخلي، كنت أتلقى بانتظام قائمة بالتهديدات الإرهابية التي تواجه الولايات المتحدة.

خلال تلك السنوات، لم تظهر «مجاهدين خلق» قط ولو لمرة واحدة على القائمة، كتهديد للولايات المتحدة. على النقيض تماما، شكلت المنظمة مصدرًا لمعلومات قيمة، اعتمدنا عليها في مناقشاتنا مع إيران. أعضاء هذه المنظمة ليسوا إرهابيين. في اعتقادي الشخصي، أن الناس بمختلف أرجاء العالم يحملون في قلوبهم وعقولهم تطلعًا نحو الحرية، والتعبير عن آرائهم، وممارسة معتقداتهم الدينية، واختيار قادتهم، والتسامح تجاه بعضهم بعضًا، والتمتع بحياة متمدنة ومحترمة.

وهذه تحديدًا هي رؤية أعضاء «مجاهدين خلق» في معسكر أشرف بالعراق، وهي أيضًا رؤية الولايات المتحدة، ويجب أن تدعم الديمقراطيات الغربية فكرة رفع اسم المنظمة من القوائم الإرهابية.

لقد شرفت للغاية بانضمامي إلى أقراني من الولايات المتحدة في مسيرة نظمت في 18 يونيو (حزيران) بالقرب من باريس، وحظيت بفرصة العمل في الكثير من المناسبات مع سيدة أعتقد أنها واحدة من أعظم قادة القرن الحادي والعشرين وأكثرهم إثارة للإلهام، وهي مريم رجوي، وهي الرئيسة المنتخبة لـ«المجلس الوطني للمقاومة في إيران»، الذي تعد «مجاهدين خلق» العنصر الرئيسي به. وتحدثت أمام الحشد، وأعربت عن أملي في أن يأتي يوم، في وقت ليس ببعيد، نتمكن فيه من استقبال رجوي داخل الولايات المتحدة، باعتبارها ممثلاً للتطلعات الديمقراطية للشعب الإيراني.

في تلك الأثناء، يتعين على واشنطن العمل على ضمان حماية أعضاء «مجاهدين خلق» داخل معسكر أشرف من التهديدات الكثيرة الصادرة عن طهران. جدير بالذكر أن سكان المعسكر تعرضوا لهجوم من جانب القوات العراقية في 8 إبريل (نيسان)، مما أسفر عن مقتل 36 شخصًا وإصابة المئات. ويجب أن تدرك الحكومة العراقية أن الولايات المتحدة التي قدمت أموالاً هائلة وأرواح كثير من أبنائها، تتوقع توفير الحماية، إن لم يكن الدعم المباشر، لـ«مجاهدين خلق» داخل معسكر أشرف. للأسف، تستغل الحكومة إدراجنا غير اللائق للمنظمة على قائمة المنظمات الإرهابية كذريعة لشن هجمات غير مبررة ضد أعضائها.

ويجب أن يدرك رئيس الوزراء، نوري المالكي، أن الولايات المتحدة وحلف الناتو لم يوحِّدَا جهودهما داخل العراق لإسقاط نظام استبدادي قمعي لم يستجب لحقوق الإنسان العالمية، ليجدا أمامهما قائدًا آخر يبدي من وقت لآخر نفس السلوك، مثلما اتضح من الغارتين غير المبررتين ضد معسكر أشرف.

عام 2004، أعلنت الولايات المتحدة التزامها بحماية أبناء معسكر أشرف. ووعدت حكومة المالكي بالحفاظ على التزامها في ظل اتفاقية جنيف الرابعة. إلا أنه من الواضح أن بغداد فشلت في ذلك. وقد حان الوقت لأن تلتزم بغداد بوعودها، بحيث نتمكن من الالتزام بوعودنا.
عندما يتعلق الأمر بإيران، نجد أن العقوبات والمفاوضات والدبلوماسية لم تفلح. إن العدو الأول لحكومة طهران الحالية هو «مجاهدين خلق». لذا، فإن الأمر الصائب الآن أمامها هو الاعتراف بأن «مجاهدين خلق» حليف لنا، وأن من مصلحة واشنطن دعم إزالة اسمها من قائمة المنظمات الإرهابية.

بجانب ذلك، ينبغي أن تعمل واشنطن على إمداد سكان معسكر أشرف بملاذ آمن وحماية حتى يتمكنوا من إيجاد ملاذ آمن لهم بمنطقة أخرى. وآمل من جانبي أن لا يتم الإبقاء على صوت المعارضة الإيرانية فحسب، وإنما يجري العمل أيضًا على رفعه لمستوى يصبح عنده مسموعًا؛ ليس في الغرب فحسب، وإنما أيضًا داخل إيران، وهو المكان الأهم.

* توم ريدج عمل وزيرًا للأمن الداخلي بين عامي 2003 و2005، وحاكم بنسلفانيا بين عامي 1995 و2001، وهو عضو كونغرس سابق (1983 - 1995).


الكاتب :- توم ريدج

* خدمة «نيويورك تايمز»

الاستراتيجية الإيرانية الجديدة

الملف نت 11 من شعبان 1432هـ / 12 من يوليو 2011م

لا زالت المخابرات الإيرانية تصول وتجول فوق التراب العراقي دون صد أو رد ونستطيع أن نقول إنها تفعل ذلك بمساعدة الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية والجميع يعلم مدى الخرق الحاصل في هذه الأجهزة ومن هي الجهة المستفيدة والموجهة لهذا العمل.
الاستراتيجية الجديدة لعمل المخابرات التابعة لنظام الملالي تقوم على مبدأ دمج العناصر التابعة لها مع مؤسسات وشركات ذات طابع تجاري بهدف التمويه على العمل الحقيقي لها في إخماد أي صوت يعارض التواجد الإيراني على الأرض العراقية أم من خلال التصفية الجسدية أو الإغراءات المادية.

الزيارة الأخيرة لنائب الرئيس الإيراني خير دليل على الطريقة الجديدة التي يتبعها نظام طهران في التدخل في الشأن العراقي حيث ذكرت تقارير موثوقة أن برفقة النائب المذكور أكثر من 180 عضوًا في الحرس الثوري الإيراني!!؟ تُرَى هل يتطلب التوقيع على اتفاقات اقتصادية وتجارية هذا العدد من الحرس الثوري الإيراني كي يتم التوقيع أم أن الحقيقة ساطعة لا يحجبها غربال.

الزيارة غير مرحب بها بالمرة وأثارت مشاعر العراقيين حيث عبر عدد كبير من المتظاهرين يوم الجمعة في ساحة التحرير ببغداد عن امتعاضهم واستيائهم من تلك الزيارة وطالب المتظاهرون في الوقت نفسه بوضع حد للتجاوزات الإيرانية، كما وعبر المتظاهرون عن استغرابهم إزاء الصمت الحكومي تجاه ما تقوم به القوات الإيرانية من قصف مدفعي للأراضي العراقية وبشكل يومي في إقليم كردستان إلى جانب قيامها بتغيير مجاري الأنهار وتوجيه مياه البزل إلى الأراضي العراقية، كما ودعا المتظاهرون الحكومة العراقية إلى مطالبة إيران بالكف عن تجاوزاتها بدلاً من الترحيب بمسؤوليها في بغداد.

الشعب العراقي قال كلمته ورفض الزيارة واستنكرها بشدة ورفض الاتفاقيات التي وقعت وأبى الخنوع وتسليم البلد إلى محتل جديد ورفض أن تكون بغداد دمشق جديدة.

الكرة الآن في ملعب الحكومة فإما أن تلبي مطالب أبناء شعبها وتنأى بنفسها عن الشبهات وتهم العمالة لنظام الملالي، وإما أن تعطي الأُذُن الصمَّاء لذلك المطلب وتكون بذلك أثبتت تلك التهمة وأسقطت جميع الأقنعة ليعلم القاصي والداني من يسير هذه الحكومة ومن يتحكم بمقدرات الشعب العراقي ولمصلحة من تقوم بذلك.

الكاتب :- أحمد الياسري