السبت، 6 أغسطس، 2011

الحاكم بأمره في لبنان !

السياسة الكويتية 27-شعبان-1432هـ / 28-يوليو-2011م

لم يكتف حسن نصرالله هذه المرة بصورة الولي الفقيه التي يظهر عليها عادة أمام جمهوره, بل أضاف إليها في خطاب "النصر الإلهي" الأخير صورة الحاكم بأمره في لبنان, وكأن رئيسي الجمهورية والحكومة لا محل لهما من الإعراب, ولا حتى تابعه رئيس مجلس النواب, في هذه الدولة المنكوبة بالشاطر حسن وحزبه.

كيف لعاقل أن يصدق من يعتبر قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري قديسين أنه يريد حماية مصالح لبنان العليا, فمن يقدس القتل والاغتيال والجريمة ويعيد لبنان إلى أجواء الحرب الأهلية لا يمكن أن يكون أكثر من زعيم عصابة خارجة على القانون, وزعيمها مكانه الحبس بدلاً من إصدار الأوامر للدولة عبر شاشات التلفزيون.

هذا المصاب بجنون العظمة يحلل لنفسه ساعة يشاء الاعتراف بوجود إسرائيل ويحدد متى يحق للدولة اللبنانية ترسيم حدودها البحرية والاقتصادية, ويحرم متى يشاء ذلك أو حين تصدر إليه الأوامر من طهران, فيما ينصب نفسه من جانب آخر رئيساً لمجلس الدفاع الأعلى لاغياً الدور الأساسي للدولة في ممارسة حقوقها الطبيعية, وخصوصاً الأمنية, في الحفاظ على سيادتها والدفاع عنها عبر قواتها المسلحة الشرعية, ويطلب من شركات النفط العالمية أن تأتي معلناً أنه هو من يحميها, وكأن الدولة كلها ليست موجودة في خريطة زعيم "حزب الاغتيالات الكبرى".

من سمع خطاب نصرالله الأخير لابد أنه لاحظ نبرة التهديد للدولة حين قال إنه بانتظار أن تقول الحكومة كلمتها في ما يتعلق بالحدود البحرية, فهل إذا تأخرت هذه في ما أمهلها فيه سيكرر تجربة السابع من مايو ,2008 وينقلب على كل المؤسسات? وعندها يتحول لبنان كله إلى مجرد قاعدة عسكرية إيرانية على شواطئ البحر المتوسط, تمارس منه أعمال القرصنة والابتزاز الإقليمي, ويقتل التنوع فيه?

لا يستقيم منطق الدولة والدويلة في آن, فإما أن تكون الدولة هي وحدها المقرر لكل الأمور عبر مؤسساتها الشرعية أو تحكم الدويلة ويسود منطقها الاستبدادي, لكن أن تتجاور الأولى والثانية وتخضع الدولة للدويلة, فهذا ليس موجوداً في أي مكان من العالم غير لبنان, وكل ذلك بسبب هيمنة نصرالله وحزبه على القرار ومنعهما بناء الدولة القوية الباسطة سيادتها على كل أراضيها ليبقى الحزب المستقوي بسلاحه الإيراني, يتصرف هو وحلفاؤه بذهنية العصابة: يفرضون الإتاوات السياسية والاقتصادية على اللبنانيين, وبين الحين والآخر تتفتق عبقريتهم الشيطانية عن قضية لتبرير مشروعية سلاحهم رغم إدراكهم أن تلك المبررات لا تنطلي على أحد وحبل الكذب فيها أقصر بكثير من شعاراتهم.

ركوب نصرالله موجة الدفاع عن الثروات النفطية في المياه الإقليمية اللبنانية ليس إلا واحداً من تلك المبررات, وذلك ليس حرصاً على الحقوق الوطنية وإنما محاولة لإنعاش آمال محازبيه التي خيبتها الثورة العارمة ضد النظام في سورية, وقبلها فشل المؤامرة في البحرين التي انغمس فيها حزبه إلى أذنيه, ثم الاختراقات الاستخباراتية لحزبه, وأخيراً المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي عرته من ورقة توت المقاومة وكشفت الوجه الحقيقي لعصابة القتل العبثي بإصدارها مذكرات التوقيف ضد المتهمين من حزبه باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وعدد كبير من السياسيين والإعلاميين.

لا يا شيخ نصرالله الشعب اللبناني ليس قاصراً ولم ينصبك وصياً عليه, ففيه الكثير من رجال الدولة القادرين على حل قضايا بلدهم بعيداً عن هستيريا العظمة والتنطح لمواجهة المجتمع الدولي بمنطق الميليشيات والعصابات, وهو ما يجب أن تفهمه, وأن تعرف أكثر أن هروبك من مواجهة العدالة الدولية لن يستمر طويلاً, وانتظر مذكرة جلب باسمك شخصياً في القريب العاجل, لن يصعب على من سينفذها عنوانك مهما اختلفت الجحور والسراديب التي تتوارى عن الأنظار فيها, وعندها فقط ستدرك أي خطيئة بل أي جريمة اقترفتها بحق وطنك وأمتك.



الكاتب :- احمد الجارالله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق