الأربعاء، 20 يوليو، 2011

سوريا تنكشف

جريدة الشرق الأوسط اللندنية 13 من شعبان 1432هـ / 14 من يوليو 2011م

«رحلة سريعة قام بها مراسلنا إلى مدينة حماه».

«مقابلات تمكنت مراسلتنا من تسجيلها بعيدا عن أعين الأمن السوري».

«موفدتنا إلى سوريا: أطباء يداوون جرحى المظاهرات في عيادات سرية».

قرأنا مرارا تلك العناوين وغيرها في صحف ووسائل إعلام غربية خلال الأسبوعين الأخيرين، وهي وسائل إعلام سمحت لها السلطات بالدخول إلى سوريا. هذا الإجراء، أي السماح لوسائل إعلام غربية بالدخول إلى سوريا، أمر يحدث للمرة الأولى منذ اندلاع حركة الاحتجاجات التي سبق أن طوقها النظام بالدبابات وبالحصار الإعلامي.

صحيح أن خطوة النظام أتت في إطار حملة دعائية للتخفيف من الضغط الداخلي والدولي، إلا أنها ترافقت مع تضييق على الموفدين الصحافيين من حيث عرقلة زيارتهم لأماكن الاحتجاجات وحصر أذون التصوير للمظاهرات المؤيدة للنظام.

لكن يبدو أن الإصرار الكبير الذي يظهره كل يوم المحتجون السوريون بات أقوى وأكثر نفاذا إلى أعين وآذان المراسلين الذين تحدتهم طاقات المحتجين السوريين بعد أن استمات هؤلاء في بث صور ثورتهم ومحنتهم بأنفسهم من دون منة من أحد.

قد تكون ما بدأت تكشفه التقارير الصحافية التقليدية هو تأكيد لما كنا شاهدناه وسمعناه وخبرنا إياه السوريون أنفسهم وجوبهوا بحملة دعاية وقتل شرسة حاولت تظهيرهم كمتآمرين قتلة ومندسين.

لكن الوقائع تتكشف وتظهر كيف تحول المحتجون السوريون إلى مسعفين وأطباء وموزعي معونات، ومع كل ذلك إلى صحافيين. لقد نزلوا إلى الشارع للمطالبة بالحرية وصوروا، بل واستبسلوا في نقل ما تيسر من صور تظهر عسف وقمع النظام لهم ولأطفالهم ولمرددي هتافاتهم..

وصل الأمر ببعضهم أن صور موته بنفسه، كما نقلت صور قبل أيام لشخص كان يصور كيف يطلق عناصر «الشبيحة» الرصاص قبل أن يظهر شخص غير واضح الملامح ليطلق رصاصة سمعت بعدها حشرجة صوت الشاب الذي كان يلتقط الصورة.

لقد كسرت تقارير وسائل الإعلام التقليدية التي بدأت تخرج من سوريا احتكار الناشطين السوريين للتغطية من دون أن تجردهم من أي مصداقية لكل ما صوروه ونقلوه خلال أشهر الاحتجاجات الأخيرة. لكن يبقى أن فترة السماح الجزئي التي نالها الإعلام التقليدي الغربي لن تطول، ذلك أن اقتحام مبنيي السفارتين الأميركية والفرنسية يؤشران إلى ذلك. فالنظام في سوريا أدرك على ما يبدو أن المواجهة لا تتحمل إفساحا في المجال لوسائل الإعلام التقليدية. التوجه إلى السفارتين الأميركية والفرنسية لا مضمون سياسيا له سوى قرار بفتح المواجهة مع المجتمع الغربي ومن ضمنه وسائل الإعلام.

كلنا سمع عشرات التصريحات لمسؤولين غربيين يقرنون مطلبهم السماح بالتظاهر بالسماح لوسائل الإعلام المحايدة في نقل مشهد التظاهر. لا معنى للمظاهرة من دون كاميرا تلتقطها ومجرد أن يتاح لوسائل الإعلام الدخول سيرتد ذلك على النظام وبالا. ستتعاظم المظاهرات وسيتعاظم نقلها وسيهتز النظام أكثر. إنها دائرة مقفلة في وجه النظام.

لا شيء أمامه سوى المواجهة، أما الإصلاح والحوار فهذه فرية بحقه لن تصمد طويلا..
ألم يكن مسؤولو النظام يصدحون بالدعوات للحوار بينما شبيحته يجزون أعضاء وحناجر؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق