الأربعاء، 20 يوليو، 2011

قندهار السورية !

جريدة الحياة اللندنية 18 من شعبان 1432هـ / 19 من يوليو 2011م

استاء عدد من المثقّفين والناشطين المعارضين في سورية من إطلاق قندهار الأفغانية وصفًا على مدينة حماة المنتفضة. والاستياء هذا كان تعبيرًا صريحًا عن أن الحساسية الأعرف والأذكى في الانتفاضة السورية تعتبر القندهارية حالة لا تستحق إلاّ التنصّل واللفظ بعيدًا.

ويعلم هؤلاء، ونعلم معهم، أنه في مقابل كل صوت ارتفع في سورية داعيًا إلى السلفية أو إلى حكم الشريعة، ارتفعت مئة ألف صوت داعية إلى الديموقراطية والوحدة الوطنية والسلمية.

لكن المدهش، هو أن النظام إذ يستخدم، عبر مقرَّبيه وأبواقه، أوصافًا كهذه، يكون يصنِّف إحدى مدنه وبعض أبناء شعبه على هذا النحو. وأمر كهذا يدل على نظرة مترسِّخة في السادة الذين ما إن يرفض العبيد عبوديّتهم لهم حتى يواجهوهم بالرَّذْل ويُخرجوهم من خانة التمدّن المتعارَف عليها. هكذا، وبين طرفة عين وانتباهتها، يتحوّل «شعبنا العظيم» حُفَنًا قندهارية متعصِّبة ترسّبت عن القرون الوسطى.

والحال أن تصديقنا للمماثلة بين حماة وقندهار يضعنا أمام مشكلة أخرى: ذاك أن المدينة المذكورة، مثلها مثل سائر سورية، محكومة بنظام لم يتغير منذ 1963. فهل يعقل أن تكون هذه السنوات الـ 48 بريئة من تردٍّ كهذا، ونحن نعلم أن حماة تعرّضت لقصف صغير في 1964 ولقصف كبير في 1982 اقتُلع معه معظم أحيائها القديمة وسقط فيه آلاف الضحايا؟ ونعلم كذلك أن حماة الموصوفة تقليديًا بالمحافظة الدينية، لم تَحُلْ محافظتُها الدينية هذه دون انعقاد لواء زعامتها -حتى وصول البعث إلى السلطة وتعطيله السياسة- لأكرم الحوراني، العلمانيّ الذي جمعته خصومة شهيرة بالتيارات الدينية.

 أما الأسماء الحموية التي برزت في تاريخ سورية الحديثة، من توفيق الشيشكلي إلى نجيب البرازي وأديب الشيشكلي وعبد الحميد السرّاج، ومن مصطفى حمدون إلى عبد الغني قنّوت وخليل كلاّس وعبد الكريم زهور، فيمكن أن يقال فيها، على اختلافها الكبير، كلَّ شيء سلبيّ أو إيجابيّ، ما عدا أنها أصولية ودينية.

بلغة أخرى، إذا نمّ كذب المماثلة بين المدينتين عن نظرة النظام إلى شعبه، فإن صحة المماثلة تدل إلى سجلّ أفعاله وحصاد يديه المرّ.
بيد أن المسألة غير هذا وذاك، فوراء التشبيه القندهاري، بصرف النظر عن كذبه أو صدقه، يقيم وعي سقيم يزعم الانتماء إلى الحداثة والتعبير عنها. والحداثة في هذه النظرة، شكلانيّةٌ وأداتيّةٌ بحتة، لا تتعدّى المظهر، أكان شخصيًّا (المأكل والمشرب والملبس) أم جمعيًّا (الجيش والحزب والعقيدة وأشكال التنظيم).

وهذه، على أهميتها، لا تكفي بذاتها حائلًا دون القسوة التي قد تبلغ حدَّ البربرية. فالستالينية، في هذا المعنى، كانت حديثة جدًّا، وكذلك النازية، أولاهما كانت ملحدة والثانية وثنية، والاثنتان عُرفتا بدرجة بعيدة من الانتظام والتنظيم والصلة بالعلم والاستخدام الممنهج لأدوات القتل، على ما تجسَّدَ خصوصًا في أفران الغاز الهتلرية. وغني عن القول إن البدائية القندهارية لا تستطيع مثل تلك الأعمال التي تمتُّ بوطيد الصلة إلى العصر الصناعي وثماره، وإن كانت تستطيع إتيان أعمال أخرى رهيبة ومهولة.

يبقى أن نقد التخلّف القندهاري من موقع الحداثة الستالينية–النازية شيء، ونقده من موقع الحداثة التي ترتكز على القانون وعلى النزعة الإنسانية شيء آخر تمامًا، فالذي يحقّ له أن ينفر من القندهارية ومن الأصولية الدينية والمسلحة عمومًا، هو الذي يُجري انتخابات يصل عن طريقها إلى السلطة، ثم عن طريقها يتخلى عن السلطة، مؤمنًا بالمساواة الفعلية أمام القانون، ومستبعدًا العنف من ساحة التداول السياسي. وبديهيٌّ أن أغلبية الذين يدينون القندهارية والسلفية وسواهما، مأخوذين بأنظمة «حديثة» لا تعرف من الحداثة إلا تنظيم القتل وتخوين الآخر واستئصاله، هؤلاء أسوأ وأوحش من التخلف الذي يدينونه في قندهار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق