الخميس، 30 يونيو، 2011

نجاد وخامنئي.. "سلطة المرشد" في مواجهة "بركات المهدي"

موقع الإسلام اليوم 27 من رجب 1432هـ / 29 من يونيو 2011م

"هل انقلب السحر على الساحر؟"، لعل ذلك أول ما يرد على ذهن المتابع للخلاف المحتدم في إيران، بين الرئيس محمود أحمدي نجاد ومعسكر المحافظين ورجال الدين، الذي يتزعمه المرشد الأعلى علي خامنئي، وإن كان المرشد –حتى الآن- يسعى للحفاظ على صورته كمرجعية تحتضن الجميع تحت عباءتها، لكن مجريات الأمور تشير إلى صدام وشيك بين الطرفين، وأن ما حدث خلال أزمة استقالة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، التي فرض فيها المرشد سلطته، وأجبر نجاد على إعادته لمنصبه، لا يعدو أن يكون "بروفة مصغرة"، لانفجار أكبر تتجمع نُذره مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في مارس 2012.

وللتذكرة، فإن صعود نجاد، المهندس البسيط القادم من رئاسة بلدية طهران، في انتخابات الرئاسة عام 2005، لم يكن مجرد صدفة أو "اجتهادًا فرديًّا" من نجاد، فالأمر جرى تدبيره والتخطيط له بمهارة فائقة من قبل معسكر المحافظين، المقرب من خامنئي، لقطع الطريق على المرشح الأبرز في تلك الانتخابات، هاشمي رفسنجاني، في العودة مجددًا لكرسي الرئاسة.

وسبب ذلك أن "رفسنجاني"، المدعوم بقوة من البازار (كبار التجار)، وصاحب العلاقات المتشعبة دوليًّا وإقليميًّا، لم يكن ليقبل بأقل من اقتسام حقيقي للسلطة مع المرشد، كما أن دهاءه السياسي ونفوذه المتغلغل داخل الحوزة الدينية، كان سيجعله في موقع أقوى بكثير من الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، الذي تحول في سنوات حكمه الأخيرة إلى "رئيس صوري"، بعدما جرده فريق المرشد من أي صلاحيات، فيما أحكم المحافظون قبضتهم على البرلمان.

"صعود نجاد"

ولتجنب هذا السيناريو، ونظرًا لافتقاد معسكر المحافظين لشخصية كاريزمية قادرة على هزيمة رفسنجاني، جرى الدفع بـ "نجاد" إلى واجهة المشهد، ورغم أنه ليس من رجال الدين أو الحرس الثوري أو حتى الساسة المحسوبين تقليديًّا على المحافظين، إلا أنه يتمتع بلمسة تدين تكسو وجهه، فضلًا عن زهده وبساطته، ويضاف لذلك النقلة الضخمة التي حققها في بلدية طهران، ونجاحه في حل الكثير من مشاكلها المستعصية، وهو ما منحه شعبية واسعة، خاصة بين سكان الأحياء الفقيرة، التي أمدها نجاد بمختلف المرافق والخدمات بعد طول حرمان.

وهكذا جرى الترويج لنجاد باعتباره "منقذ الفقراء ونصير المستضعفين"، في حين وصم رفسنجاني بـ"الارستقراطي فاحش الثراء"، والمتحالف مع المستغلين وأباطرة المال، وبالفعل نجح ذلك السيناريو، واكتسح نجاد الانتخابات، مدعومًا بأصوات الفقراء والبسطاء، خاصة في المحافظات النائية، بعدما وعدهم نجاد باقتسام عادل لثروات البلاد.

وتكرر سيناريو دعم المرشد ومعسكر المحافظين لنجاد في انتخابات 2009، لكن هذه المرة في مواجهة أعداء الثورة المتحالفين مع الغرب، ممثلين في التيار الإصلاحي، بقيادة مير حسين موسوي، خاصة أن نجاد أثبت في سنوات حكمه الأولى ولاءً كاملًا للمرشد، كما أحدث نوعًا من "تجديد الدماء" داخل الثورة التي أوشكت أن تشيخ وتفقد بريقها وسط الإيرانيين. إضافة إلى أن صورة نجاد "الزاهد الورع"، الذي يتكلم بصراحة وبساطة، ودونما مراوغة أو تردد، منحت إيران بريقًا جذابًا في أنحاء كثيرة من العالم، خاصة في أوساط المسلمين الذين طربوا لهجومه الضاري على إسرائيل، وكلماته الحماسية عن فلسطين والمقاومة، وانتقاداته الحادة للغرب وهيمنته.

"بداية الفراق"

إلى هنا وتبدو علاقة نجاد وخامنئي في "انسجام كامل"، باستثناء مناوشات متكررة من البرلمان، الخاضع لسيطرة المحافظين، (لفرملة) قرارات نجاد الجامحة، أو لمنعه من الجور على سلطات هيئات أخرى، وكان المرشد –عادة- يترك الأمور لمساومات الطرفين، أو يتدخل لطرح صيغة وسط، لكنه دومًا كان يؤكد دعمه لنجاد وسياسته، ثم ظهر أول "خلاف جدي" بين الرجلين مع العرض الذي قدمته الوكالة الدولية للطاقة الذرية لنقل يورانيوم إيراني منخفض التخصيب إلى الخارج لتخصيبه إلى درجة أعلى، ثم إعادته لإيران مرة أخرى، حيث أبدى نجاد ترحيبًا بالعرض، وبدأت حكومته في التفاوض على تفاصيله، لكن اعتراضات من جانب المرشد جعلت التفاوض يصل إلى طريق مسدود.

ومع أن هذا الخلاف لا يعد "مفصليًّا"، فالدستور يمنح المرشد "الكلمة الفصل" في كافة شئون الدولة، إلا أن الخلاف لم يكن سوى "قمة طافية"، لصراع رهيب على الصلاحيات والنفوذ بين فريق نجاد وفريق المرشد، ويبدو أن نجاد قد تجاوز "الخطوط الحمراء" عندما سعى بقوة لزرع مؤيديه في أجهزة وهيئات نافذة، تخضع لسلطة المرشد مباشرة، مثل الحرس الثوري والاستخبارات، كما منح نجاد الوزارات السيادية لأشخاص يدينون بالولاء التام له، في حين أقصى آخرين مقربين من المرشد، على غرار ما حدث مع مصلحي، وفي بعض الأحيان كان المرشد يتدخل لترضية المستبعدين ومنحهم مناصب بديلة، كما حدث مع علي لاريجاني، الذي أطاح به نجاد من إدارة الملف النووي، لكن المرشد دفع به لرئاسة البرلمان.

"إلغاء النيابة"

وإذا كان من الممكن تفهّم الصراع بين نجاد وفريق المرشد على الصلاحيات ومراكز النفوذ، في ظل النظام الدقيق لتقاسم السلطة الذي وضعه الخميني، ويحول عمليًّا دون انفراد أيٍّ من الساسة أو رجال الدين بمفاصل الحكم، إلا أن "ثورية نجاد" -على ما يبدو- دفعته لمحاولة قيادة "ثورة داخل الثورة"، فإذا كانت ثورة الخميني قد أنهت حالة "الإستكانة الشيعية" في انتظار الإمام الغائب، ومنحت قيادة الدولة لـ "ولي فقيه" باعتباره نائبًا عن الإمام الغائب، فإن "ثورة نجاد" تريد إبطال تلك النيابة، والإيحاء بأن الإمام الغائب أو "المهدي المنتظر" يتمثل في صورته وأنه يتمتع بدعمه وبركته، وأن ظهوره بات وشيكًا، مما يستوجب التمهيد له عبر خطوات ثورية.

وحديث نجاد عن التواصل المباشر مع المهدي المنتظر -وهو أمر جائز وفقًا للمذهب الشيعي- يعني عمليًّا سلب المرشد سلطته الروحانية، فإذا كان الرئيس يتواصل مع المهدي مباشرة، فما هي الحاجة إلى نائب (أي المرشد)، وخطورة هذه النظرية تكمن في أن نجاد يتمتع بشعبية طاغية في أوساط كثير من البسطاء، وهؤلاء يتعلقون بفكرة المهدي، ويهيئون أنفسهم لظهوره، كي ينصفهم ويقيم العدل، ولذا فهم مستعدون لتصديق تلك الروايات، خاصة إذا جاءت من شخص يثقون به مثل نجاد، الذي يصور نفسه كأحد جنود المهدي، وليس نائبًا له أو قائدًا يتحدث باسمه، ويضرب نجاد على هذا الوتر بذكاء، حيث يُرجع أي نجاح تحققه إيران أو فشل يمنى به خصومها -كسقوط النظام المصري الموالي للغرب- إلى دعم وتأييد المهدي المنتظر.

"بركات المهدي"

ولم يقتصر الأمر على خطابات نجاد، حيث أقدم رحيم مشائي، صهر ومدير مكتب نجاد، على إنتاج فيلم وثائقي بعنوان "ظهور إمام الزمان بات وشيكًا"، وجرى توزيع ملايين النسخ المجانية منه داخل وخارج إيران، وفي حين وصف رجال الدين المحافظون الفيلم ومنتجه بـ"الشعوذة والتحريف"، فإنهم تجنبوا تصويب سهامهم صوب نجاد مباشرة، وركزوا هجومهم على مشائي، واعتبروه المسئول عن زرع تلك الأفكار في عقل نجاد، حيث سبق للمحافظين خوض معركة ضارية ضد تعيين مشائي نائبًا للرئيس، وتدخل المرشد لإجبار نجاد على سحب الترشيح، وهو ما حدث، لكن نجاد أعاد تعيين "مشائي" مديرًا لمكتبه.

ويتحدث البعض عن تحركات لمعسكر نجاد تستهدف الدفع بقائمة كاملة لمنافسة المحافظين في الانتخابات البرلمانية، على أن يتم الدفع بـ"مشائي" في انتخابات الرئاسة المقررة بعد عامين، حيث لا يحق لنجاد الترشح لفترة ثالثة، ولعل ذلك ما يفسر محاولات نجاد الدفع بمؤيديه إلى مواقع مهمة داخل الدولة، فالرجل لا ينوي التواري عقب انتهاء ولايته الثانية، وإنما يعتزم البقاء في صدارة المشهد، ولو من وراء ستار، سواء كان هذا الستار "رحيم مشائي أو "المهدي المنتظر" نفسه.

لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع نجاد تحدي سلطة المرشد، خاصة أن هناك من توعده بمصير أبو الحسن بن صدر، أول رئيس لإيران عقب الثورة، حيث تمرد على الخميني، فكان مصيره الطرد من الحكم والنفي خارج البلاد، كما أن رفسنجاني بكل نفوذه وتاريخه فشل في تحدي خامنئي.. فهل يعول أحمدي نجاد على "بركات المهدي"؟!


الكاتب :- مصطفى عياط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق