الجمعة، 3 يونيو، 2011

حادث في محطه الرمال - قصة أعجبتني -

تجمع العديد من المارة فى شارع ( محطه الرمل ) الشهير فى الإسكندريه حول مبنى من أحد المبانى القديمه فى هذا الشارع الذى جمع – كمعظم شوارع الإسكندريه – بين عراقه الماضى وتجديد الحاضر والنظرة للمستقبل , ولم يفض تجمع المارة حول هذا المبنى سوى ظابط شرطه ترجل من سيارة بوكس , ثم إقترب من المتجمعين وقال بصوت عال منذر إعتاد إستخدامه فى مثل هذة الأحوال :

- إبتعدوا جميعا , لا أريد أى تجمهر هنا , أنا وائل محمود من قسم الرمل .

إبتعد الناس بصورة تلقائيه ليفسحوا المجال لظابط الشرطه الذى شق طريقه إلى داخل مدخل العمارة , وتوجه بنظرة إلى البواب الذى كان يقف مرتعدا فى ركن قصى من المدخل الكبير , توجه إليه ثم سأله بلهجه قويه :

- ماذا حدث بالظبط ؟

- أحضرت الطلبات التى يحتاجها الأستاذ عادل الدمنهورى كما أفعل كل يوم , وصعدت إلى شقته كى أسلمها له فلم أجدة , إستعملت المفتاح الذى أعطانى إياه , فأنت تعلم سعادتك أنه يعمل محامى , ولا يتواجد كثيرا فى المنزل لحضور جلسات فى المحكمه , فدخلت إلى الشقه عندما ....

تلجلج صوت البواب عندما بلغ هذا الجزء من الروايه فحثه الظابط بنظرة من عينه فأكمل على الفور :

- عندما وجدته ميتا ... لقد كان المشهد بشعا إلى أقصى حد ......
- أين يقع منزل الأستاذ عادل ؟
- فى الطابق قبل الأخير .. يوجد مصعد هنا ....

إتجه الظابط إلى المصعد , ولم تمضى لحظات حتى كان الجميع فى منزل المحامى عادل الدمنهورى , كانت شقه جيدة الإضاءة , فاخرة الأثاث , يبدو أن عادل الدمنهورى كان محاميا شهيرا , فلقد تناثرت فى الشقه قطع من الأثاث المستورد , ولم يخل المكان من لمسه أنثويه أضافت للمنزل بريقا خاصا ...

سأل الظابط وائل محمود البواب بنفس اللهجه الحازمه :

- أين الجثه ؟

سار البواب معه حتى بلغا أحدى حجرات المنزل , ثم توقف البواب بغته ونظر لوائل بهلع وقال له بلهجه ملؤها الخوف :

- سامحنى يا سيدى لن أستطيع أن أسير أكثر من هذا , لا تظننى جبانا يا سيدى فأنا من أعماق الصعيد , وتربيت منذ أن كنت شابا على إعتياد منظر الدماء , ورأيت فى حياتى العديد من الجثث إلا أننى لم أر يوما شيئا كهذا ...

نظر له ظابط الشرطه بإستخفاف , وقطع الخطوات المتبقيه نحو الغرفه بخطوات ثابته , ثم نظر إلى الغرفه , وإنتابه ذهول رهيب ....

* * *

وائل محمود ظابط شرطه من طراز خاص , أثبت كفاءة متميزة منذ أن إلتحق بكليه الشرطه بعد إتمامه الثانويه العامه بمجموع بسيط , إلا أن واسطه قويه دفعته للقبول بكليه الشرطه , بالإضافه لمبلغ كبير من الرشوة قضت والدته ردحا طويلا من الزمن فى محاوله تكوينه , بعد أن توفى والدة , إلا أن كل هذا لا يعنى أن وائل ليس كفئا للدراسه بأكاديميه الشرطه ...

وأجمعت معظم التقارير التى قدمها مدربيه عنه إلى أن قدراته العقليه عاديه أو أقل من العاديه قليلا , إلا أنه صبور كالسلحفاه مطيع كالكلب شرس كالنمر , لا يخالف أى أوامر تعطى له ايا كانت غير منطقيه , ويقدس رؤساؤة إلى حد العبادة ... لذلك وجد من تم رفع هذة التقارير لهم تعيين وائل فى مباحث أمن الدوله , إلا أنهم قرروا تعيينه فى البدايه كظابط عادى حتى يكتسب من الكفاءة العمليه ما تؤهله لكسب موقعه فى مباحث أمن الدوله ..

هكذا وجد وائل نفسه متنقلا بين وظائف ظباط الشرطه العاديين , فهو يمضى عدة أشهر فى مصلحه الجوازات ثم مكافحه المخدرات ثم الأداب ... حتى شرطه المسطحات المائيه ... وجائت كل التقارير عن وائل محمود تثبت أنه بالفعل ظابط شرطه مجتهد ومثالى , وأشارت التقارير إلى عنفه المبالغ فيه مع هؤلاء الذين يحقق معهم , وأشار أحد التقارير إلى واقعه حدثت لوائل عندما كان يعمل فى مكافحه المخدرات , أن أصر على تفتيش جبيرة لكسر يد لطفل لم يتجاوز العشر أعوام من أطفال الشوارع , ظنا بأنه يخفى فى طيات الجبيرة قطعه من الأفيون ...

وعبثا حاول الطفل – ولا سيما زملاء وائل – من إقناعه أن الأفيون أغلى من أن يمتلكه طفل فى مثل حاله هذا الطفل المشرد , إلا أن عقليه وائل أبت إلا أن يهوى بالجزء الخلفى من مسدسه الميرى على جبيرة الفتى , غير عابئا بصرخات الأخير التى إمتزجت بتوسلاته , فقط ليكتشف أن الجبيرة خاليه كمحفظه موظف فقير فى أخر أيام الشهر ... هكذا إستحق وائل هذا اللقب الذى أطلقه عليه زملاؤة فى العمل وهو ( وائل الجزار ) نظرا لجرأته ودمويته الشديدة ...

أدرج من هم أعلى من وائل سلطه هذا الموقف وغيرة من المواقف الكثيرة التى تصرف بها وائل بلاشفقه , ولم يدركوا أن هذة المواقف لاقت إستحسان من قرر متابعه هذا الظابط لإلحاقه بأمن الدوله , فهم يبحثون عن ظابط يستطيع أن يسلخ طفل رضيع ولا تطرف له عين , وكان وائل هو هذا الظابط الذى يبحثون عنه ....

هكذا إلتحق وائل الجزار بأمن الدوله , ليثبت أنه ظابط كفء , لا يتورع عن تنفيذ أوامر رؤساؤه أيا كانت , ولا يترك سبيل لتحقيق ما يريد إلا وسلكه , حتى تلك الطرق المتسمه بالعنف والمدمويه ...

أما عن حياته الشخصيه , فلقد تزوج وائل الجزار من سارة إبنت خاله الحسناء , وتعجب كل من حضر الفرح كيف تعيش هذة الملاك بجوار هذا الجزار فى مكان واحد , إلا أن زواجه إستمر بدون منغصات , وأنجبت سارة : محمد ومنى ... وسارت حياه وائل فى وتيرة منتظمه واحدة لاتتغير إلا لماما ...

* * *

عندما دلف وائل الجزار للغرفه التى فيها جثه المحامى عادل الدمنهورى , كان يتوقع أن يرى جثه أخرى من الجثث التى إعتاد التعامل معها ... فعمله فى أمن الدوله كان يقتضى التحقيق فى جرائم القتل الغريبه , وترك الجرائم العاديه لأقسام الشرطه والمباحث , لذلك لم يكن وائل ليتعجب إذا وجد جثه عادل وقد إنتفخت جراء التعفن , أو أصيبت بطلق نارى أطاح بالمخ , أو طعنه سكين أخرجت الأمعاء .. فلقد تعود على هذا , لذلك لم يكترث لتوسلات البواب ودلف إلى الغرفه ..

إلا أن ما وجدة وائل هذة المرة يختلف عن كل ما رأى وعايشه من قبل ....

كانت جثه عادل الدمنهورى جالسه على المكتب , وقد إرتدى روب الترافع الأسود , وقد إنغرست سكينتان فى كل عين من عيونه , ثم إندفعت سكينه ثالثه من أسفل الذقن حتى خرجت من أعلى الرأس , بينما ثبتت يداه وقدماه فى المكتب أمامه بسكاكين مشابهه , وسالت كل دماؤة على الأرض والمكتب فأصبحت الجثه صفراء شاحبه شحوب الموت , وترهل كرش المجنى عليه أمامه يعلن عن إنتهاء سيطرة الروح على الجسد ....

تمالك وائل نفسه , ومنع نفسه من القىء بصعوبه , فخرج من الغرفه وتحاشى النظر للبواب , ثم أخرج هاتفه المحمول وإتصل برقم مخزن سلفا ثم قال بلهجه حازمه :

- هنا الظابط وائل الجزار من أمن الدوله , أريد فريق بحث جنائى ومصور فوتوغرافى وخبير بصمات وأسلحه حالا إلى شارع محطه الرمل عمارة ( .... ) ... حالا ...

أنهى الإتصال بعصبيه وأسرع يغادر المكان وهو يشعر لأول مرة منذ مارس هذة المهنه بالتقزز الشديد ...

* * *
وصل وائل إلى منزله فى ساعه متأخرة من الليل كعادته , كانت سارة زوجته قد نامت هى والأولاد , لذلك تسلل إلى المنزل حتى لا يوقظهم , غير ملابسه وجلس قليلا أمام التليفزيون يتابع الفيديو كليبات على أحد القنوات الغنائيه الشهيرة , أخذ يفكر فى كل تلك الأحداث الغريبه التى مرت به فى هذا اليوم , بدايه من جريمه القتل البشعه فى شقه محطه الرمل , وحتى ما فعله فريق البحث الجنائى من رفع للبصمات وتحليل لكل نقطه دم وكل شعرة رأس فى مسرح الجريمه , دون أن يتوصلوا لأى شىء قد يساعد على كشف هويه القاتل ...

كان يعلم منذ بدا عمله , أنه لا توجد جريمه كامله , دائما مايخطىء المجرم فى شىء ما مهما كان بسيطا , حينها يكون هذا هو طرف الخيط الذى يصل به حتى يستطيع القبض على المجرم , إلا أنه لم يصادف مجرم مثل هذة الجريمه الأخيرة , كان يعلم انه كلما زادت بشاعه الجريمه كلما زادت نسبه وجود أخطاء من الجانى , فهذا النوع من المجرمين يتسم دائما بحاله من الشذوذ العقلى يجعله اقرب لللوحش منه لإنسان يفكر بمنطق ... أما إذا نفذ المجرم كل شىء بمنتهى الدقه فلا يستطيع منع نفسه من العودة مرة أخرى لمسرح الجريمه ليتأكد أن كل شىء على مايرام , حينها تكون لحظه الإمساك به ...

أفاق من تفكيرة على صوت من خلفه , تلفت وراؤة فرأى زوجته , إبتسمت له وإبتسم لها , قالت له فى حنان ممزوج بالمعاتبه :

- جئت متأخرا كعادتك .

- أسف ... إنما هى ظروف العمل .

نظرت له نظرة ذات معنى ثم قالت له :

- لقد أنتظرتك طوال البوم , ألن تخلد للنوم ؟

إقترب منها ولف ذراعه حول خنصرها ثم إحتضنها برفق وأدار ظهرها نحو التلفاز , شعر بحرارة جسدها وحانت منه إلتفاته نحو التلفاز فقفز ملسوعا كمن لدغه عقرب , بهلع شديد قالت له سارة :

- ماذا ؟ ماذا حدث ؟

لم يجبها , فأمامه على شاشه القناه الغنائيه الفضائيه , وعلى شريط دردشه الجمهور عبر رسائل المحمول , تكررت رساله واحدة مئات المرات , تجرى بسرعه محمومه على الشريط الصغير ...

رساله تقول :

" أنا أعلم جيدا ماذا حدث اليوم فى محطه الرمل " .


* * *

إستيقظ الأستاذ عادل الحفناوى مدير محلات ( تذوق ) للعصائر من نومه على صوت هاتفه المحمول , تثائب ثم وضع التليفون على أذنه , وأخذ يردد الكثير من تلك العبارات التى لا تجعل أحدا يعلم مالذى يقوله الطرف الأخر , مثل " ماذا ؟ , حقا ؟ حسنا ؟ , وإن كانت ملامح وجه دلت على الكثير من الدهشه والمفجأه ...

أسرع يرتدى ملابسه وينزل إلى الشارع حيث ينتظرة السائق الخاص به , وقال له فى خشونه إعتاد عليها السائق :

- إلى فرع محطه الرمل يا عم محمود .

إنطلقت السيارة بسرعه متوسطه فى الشارع , بينما أخذ عادل الحفناوى يفكر فى ما يمكن أن يجدة هناك ...

كانت سلسله محلات ( تذوق ) للعصائر , فى البدايه عبارة عن محل واحد , إستطاع خواجه يهودى تأسيس محل للعصائر فى منطقه محطه الرمل فى الإسكندريه , ومالبث الخواجه أن رحل مع من رحلوا من يهود مصر بعد قيام الثورة وإعلان فلسطين وطنا قوميا لليهود , هكذا إشترى المحل رجل مصرى يدعى الحاج أحمد الدباغ , وما إن إشترى المحل حتى أخذ يحقق شهرة متميزة , فلم تكد تمضى سنوات حتى أصبحت محلات ( تذوق ) من أشهر محلات العصير فى مصر , وإفتتحت فروعا لها فى كل مكان فى الجمهوريه تقريبا , وإن ظل فرع محطه الرمل فى الإسكندريه هو الأكبر والأشهر , وكانت أجيالا عديدة قد توارثت ملكيه هذا المحل , حتى إنتقل لعادل الحفناوى بالإرث , وإستطاع هو أن يشترى مخزنا للعصير بالقرب من المحل , يتم صنع العصير فيه , ومن ثم نقله إلى الفرع الرئيسى , لضمان السرعه والدقه ...

هكذا إستقرت عصارة ضخمه كلفت عادل أموالا كثيرة , فى المخزن الصغير , وكانت تستطيع عصر ما يقارب 3000 حبه فاكهه دفعه واحدة , من خلال عصارات عملاقه , ثم ينزل العصير إلى أطباق ضخمه مخصصه للعصير , ويتم جمعه فى حاويات كبيرة وتوصيله لفرع محطه الرمل الرئيسى ...
وكانت المكالمه التى أيقظت عادل من نومه وجعلته يهرع إلى هناك , كانت من عم عبد التواب , كبير المشرفين على عمل العصارة الضخمه , وقد وضع – بمعاونه من معه – كميه الثمار المطلوبه , ثم ضغط على زر العصر , فتحولت الثمار إلى عصير فى ثوان معدودة ...

لاحظ العاملين أن لون العصير أحمر على غير العادة , تذوقوا بعضا منه فوجدوا طعمه له مذاق الدم , فحصوا الأله فإكتشفوا الكارثه ....

كان هناك شخص قد تم ربطه ووضعه حيا فى قاع العصارة , وأفرغوا هم الثمر عليه دون أن يدروا , نظرا لإرتفاع سطح العصارة , ثم عصروا الرجل مع ما عصروة من ثمار للبرتقال ... إتصلوا بعادل على الفور , الذى عاين المكان , وهاله مشهد الجثه المعصورة , ثم إبتعد عن المكان واضعا منديل كبير على فمه وأنفه .. أخرج هاتفه المحمول وإتصل بالبوليس ....

* * *

- " لا يمكننى إمدادك بأرقام هواتف من يرسلون رسائلهم للمحطه , هذة هى سياستنا فى الحفاظ على المعلومات السريه للعملاء "

هكذا قالت مهندسه الكمبيوتر المسئوله عن مراقبه الرسائل الخاصه بدردشه الشباب على القناه الفضائيه الشهيرة , إلا أن وائل الجزار تنهد بقوة , شأنه كشأن من يسمع كلام لاقيمه له , ثم نظر إلى المهندسه وقال لها بلهجه توحى بعدم الصبر :

- إن هذا الأمر متعلق بأمن الدوله , يجب أن تتعاونى معى فوق أى إعتبار للسريه .

قرن عبارته بأخراج بطاقه تحقيق شخصيته التى تفيد أنه يعمل فى مباحث أمن الدوله , تمالكت المهندسه نفسها وقالت له :

- فى هذة الحاله يجب أن أرى تصريحا من المباحث أو أمر قضـ....

قاطعها وائل بحدة , ولم يترك لها فرصه لإكمال حديثها وقال لها فى خشونه بالغه :

- قبل أن أحضر إلى هنا كنت أطالع بشغف ملف حضرتك فى أمن الدوله , تعرفين أننا نجمع معلومات شيقه عن معظم العاملين هنا , وقد طالعت فى الملف عدة إشتباهات فى ضلوعك فى التحايل على ماكينات عد النقود , بالإضافه لمحاولات ناجحه لسرقه فيزات من بنوك عالميه , يبدو أن لك ملفا حافلا لدينا ... هل ياترى وضعت كل هذة الخبرات فى السيرة الذاتيه الخاصه بك عند التقدم لهذة المهنه المحترمه ؟

تعاونى معى وإلا ... أقسم بالله أن أقدم نسخه من ملفك الشيق لدينا لمدير عملك شخصيا , هل تدرين معنى هذا يا ( باشمهندسه ) ؟

ضغط على الحروف الأخيرة فى جملته , ونظر للفتاه أمامه نظرة مرعبه , وتحول وجه الفتاه إلى ألوان الطيف فى لحظات معدودة , تلعثمت فى الحديث عدة مرات قبل أن تقول له برعب :

- أرجوك .. سأتعاون معك لـ... للنهايه ...

جذب مقعدا وجلس بجوارها , بينما أخذت هى تقوم بالعديد من الإجراءات الإلكترونيه المعقدة على حاسب ألى متطور أمامها ... وفى النهايه طالع وائل شاشه بالرسائل التى تم إرسالها للقناه فى الأيام الاخيرة , أخذ يفحص بعينه الرسائل حتى وصل إلى رسالته المنشودة ...

" أنا أعلم جيدا ماذا حدث اليوم فى محطه الرمل "

أشار بيدة إلى المهندسه للرساله الموجودة على الشاشه , فأجرت بعض العمليات على الكمبيوتر ثم أخذت ورقه وكتبت له رقم هاتف محمول وقدمته لوائل بيد مرتعشه وهى تقول له :

- هذة هى الـ.... هذا .... الرقم ... الذى أرسلت منه الرساله ....

أخذ منها الزرقه ثم حدجها بنظرة ناريه , ثم خرج من مكتب إدارة القناه , إتصل بصديق له فى شبكه المحمول التابع لها الرقم الذى أخذة للتو , وماهى لحظات حتى أتاه صديقه بالمنطقه التى يقع فيها هذا التليفون , ثم مالبث أن حدد له رقم المنزل الموجود فيه هذا الهاتف ....

فيلا 313 طريق الحريه ....

إستقل وائل سيارته وإتجه إلى المكان بسرعه البرق ...

لم يكن يعرف أن المواجهه فى هذة الفيلا ستحمل طابعا مختلفا ....

ودمويا ...

* * *
" لا يوجد خيط واحد ... هذا مستحيل "

هكذا نطق مدير مباحث أمن الدوله فى سخط شديد , وهو يوجه نظرة ناريه للظابط ( أحمد الخواجه ) الواقف أمامه ... طأطأ الأخير رأسه فى صمت بينما تابع المدير بنفس اللهجه :

" من المسئول عن التحقيق فى هذة القضيه ؟ "

" وائل الجزار يا فندم "

" وائل الجزار ؟ أليس هو ذلك الظابط الذى قتل واحدا ممن يستجوبهم ذات مرة ؟ "

" هو بعينه يا فندم ! "

" إذن أخبرة أن مستقبله المهنى متوقف على هذة القضيه ... كيف لا يوجد خيط واحد فى هذا القضيه ؟ "

" لا توجد بصمات أو أثار أقدام غريبه , القاتل دخل وخرج كالسراب , ونفذ جريمته ببشاعه مطلقه و ... "

" كونكم لا تستطيعون الوصول للقاتل حتى الأن فهذا يعنى تقصير من وائل الجزار .. ولن أسامحه على هذا "

رن هاتف ( أحمد الخواجه ) المحمول فإستأذن المدير بسرعه وأجاب على الهاتف , فأخذت أساريرة تمتقع ثم أعلق هاتفه بسرعه , ونظر للمدير قائلا :

" كارثه يا فندم .. كارثه "

حملت عيون المدير كل تساؤل بينما تابع الخواجه قائلا :

" حدثت جريمه أخرى أكثر بشاعه فى مخزن عصائر محلات ( تذوق ) ! "

وسقط الخبر على المدير كالصاعقه ... ثم مالبث أن صرخ :

" أين وائل الجزار الأن ؟ أين ؟ "

وبقى التساؤل معلقا ...

* * *

إنتبهت كل حواس وائل الجزار , وهو جالس فى سيارته الخاصه , يتابع عن كثب الفيلا 313 فى طريق الحريه فى الأسكندريه ... كانت الفيلا فى منطقه هادئه غير عامرة بالسكان إلا منازل متفرقه بعيدة , وكان الليل قد إنتصف ولم يخرج أو يدخل أحد للفيلا المظلمه مما يوحى بأنه لا يوجد أحد بداخلها ...

كان وائل جالسا فى السيارة منذ فترة طويله , إلا أن عقله لم يزل يسترجع النقاش الحاد الذى تناقشه مع الفريق الذى يعمل معه فى حل جريمه قتل المحامى ...
كان من الغريب ان القاتل لم يترك أثرا وراؤة , كما أنه لم يعد لمكان الجريمه كما تصور وائل , أما عن ملف المحامى فأظهر أنه محامى فاسد , يترافع فى قضايا المخدرات والدعارة , وهكذا إكتسب شهرة واسعه , ناهيك عن تحقيقه لأرباح قويه فى هذا المجال ...

وأفادت معامل البحث الجنائى والطب الشرعى أن القتيل تم إلباسه ملابس الترافع بعد قتله , يبدو أن القاتل كان يريد توجيه رساله ما لمن سيحققون فى هذة القضيه ...

أفاق من غفلته المؤقته على شاب يقترب من الفيلا ... كان فى حوالى التامنه والعشرين من عمرة , يرتدى بنطالا وجاكت من الجينس الأزرق , رفيع , إلا أنه متين البنيان , إل أن عدم وجود إنارة فى هذة المنطقه منع وائل من التمعن فى وجه الشاب ...

أراد وائل أن يطمئن لمرة أخيرة أنه هو بالفعل الشاب الذى يبحث عنه , أخرج من جيبه هاتفه المحمول وإتصل برقم الشاب الذى إستطاع الحصول عليه , نظر للشاب مليا , فوجد الشاب يدخل يده فى جيبه ثم يخرج هاتفه المحمول ... أسرع وائل يغلق الخط قبل أن يجيب الشاب ... وقد تأكد تمام التأكد أنه هو الجانى ....

إنتظر وائل حتى دخل الشاب للفيلا , إنتظر قليلا ثم هبط من السيارة وإتجه نحو الفيلا ... إحتمى بشجرة قريبه , ووقف خلفها بعض الوقت خوفا من أن يلمحه الشاب من أحد النوافذ ... إقترب وائل مرة أخرى , ودار حول الفيلا , وأخذ يدرس مداخلها ومخارجها جيدا ...

كانت هناك نافذة منخفضه عند أحد الأركان , إستند وائل بقدمه على حاجزها ثم قفز إلى داخل الفيلا ...
كانت الحجرة التى دخل إليها وائل عبارة عن قبو للفيلا .. أخذ وائل يتحسس طريقه إلى حجرات الفيلا , متحسسا بيدة مسدسه المستعد للإنطلاق فى أى لحظه , متحاشيا الإرتطام بأى شىء حوله شأنه شأن أى ظابط محترف فى عمليات التسلل لأوكار الجريمه ...

إنتقل وائل من القبو إلى أحدى الغرف .. اسرع بالدخول إليها وأخرج مسدسه , وأخذ يديرة فى كل إتجاه خشيه من أن يكون الفتى فى هذا الغرفه , وعندما تأكد أنه لا أحد بالغرفه أخذ يتطلع فى أركانها ...
كانت غرفه واسعه , غير مرتبه , تناثر فيا عدد كبير من الكتب والمجلات , وتم لصق العديد من صفحات المجلات والجرائد على جدرانها , وعلى الأرض تكومت مجموعه من الأغطيه والمفارش كساها التراب ...

تطلع وائل فى الكتب بدهشه ... هل يوجد كاتب مثقف ؟ نظر إلى الكتب ففوجىء بوجود مجموعات من كتب لنجيب محفوظ ومصطفى محمود وأنيس منصور ! هو نفسه لم يقرأ فى حياته كتاب سوى دليل التقدم لكليه الشرطه , وبعض الكتب التى درسها فى الكليه ...

إنتقل وائل من غرفه إلى غرفه أخرى , وأخذ يتطلع فى محتوياتها , وقبل أن يشاهد ما بها , إرتفع صوت جرس هاتفه المحمول يرن بأقصى قوة , ساعد على إنتشار الصوت عدم وجود إناس فى الفيلا مما جعل الصوت له صدى كمن يتكلم فى كهف !

إرتبك وائل , ورغم أنه محترف إلا أنه لم يتوقع مفجأه كهذة , إلا أنه أغلق هاتفه على الفور , إلا أن الأوان قد فات ...

لقد سمع صوت فى غرفه بعيدة , وميزت أذنه الخبيرة صوت مسدس يتم إعداده لإطلاق النار , ثم سمع صوت من يعدو بأقصى سرعه من الغرفه متجها إلى حيث يقف ....

كان الموقف معقدا , وكانت صوت خطوات الشاب تكاد تهز الأرض من فرط سرعتها وحماسها ....

وفجأه وجد وائل نفسه وجها لوجه أمام الشاب ....
وإستل الشاب مسدسه بإحتراف

وكانت المواجهه ....

* * *
إذا سألت أى خبير فى علوم الصراع بين البشر , سيخبرك أن الإنتصار فى أى صراع عضلى بين شخصين متوقف على عامل مهم من عوامل الصراع , ينسب له الفضل فى إنهاء معظم الصراعات لصالح من يجيد إستغلاله ... ألا وهو عامل المفاجأه ...
أما فى حاله هذا الموقف العجيب , الذى وجد فيه وائل الجزار , ظابط أمن الدوله عديم الرحمه نفسه أمام قاتل ضحايا محطه الرمل وجها لوجه فى فيلا هذا الأخير , فأن عامل المفاجأه كان من نصيب القاتل والظابط فى أن واحد ...

لم يكن يتوقع وائل الجزار أن ينكشف أمرة للشاب نتيجه رنين هاتفه المحمول , ففوجىء بالأخير يستل مسدسه يستعد لإطلاق النار , ولم يكن المجرم الشاب يتوقع أن يصل إليه أحد , ففوجىء بوائل أمامه مستلا مسدسه ...

ودار القتال ....

كان الشاب هو أول من بدا هجومه , أطلق عيار نارى نحو رأس وائل , إنبطح هذا الأخير على ظهرة متفاديا الطلقه , وشعر بوهج الطلقه يدمى أنفه ويمر من على بعد إنشات قليله من رأسه , سقط وائل أرضا , إلا أنه سدد طلقه ناريه نحو ظهر الفتى , إلا أن الأخير تفاداها بمهارة مدهشه جعلت وائل يدرك للوهله الأولى أنه يواجه خصما محترفا , وليس مجرد مدنى لا يفقه فى أمور المعارك شيئا ...

تفادى الشاب طلقه مسدس وائل ثم تحرك نحو مقعد خشبى كبير فى ركن الغرفه وطوحه بكل ما له من قوة فى وجه وائل , الذى إستطاع تفادى المقعد , إلا أنه أصاب يدة فأطارت مسدسه من يدة , ورأى وائل المجرم بطرف عينه يستعد للتصويب مرة أخرى , فجرى بكل ما له من قوة وألقى بنفسه على الشاب , وسقطا سويا على الأرض , ويد وائل تستميت على المسدس لتمنع المجرم من التصويب مرة أخرى ...

وإنطلقت فى سقف الحجرة عيارات ناريه نتيجه الصراع المحموم على المسدس فى يد الشاب , حسمه وائل لصالحه بصعوبه عندما أطار مسدس الفتى من يدة , ثم أكال له لكمه فى أنفه تفقد أى شخص عادى صوابه , إلا أن الفتى إحتملها ثم أرجع رأسه للخلف مسافه قصيرة , ثم هوى على قصبه أنف وائل بقوة , جعلت يد الأخير ترتخى عن يد الشاب , ونهض الشاب من الأرض ثم أكال ضربتين بقدمه كالقنبله لوجه وائل , أتبعها بثالثه لمعدته , إلا أن الأخير تثبث بقدمه فى المرة الأخيرة , وإستطاع أن يوجه له بقدمه ضربه فنيه فى مفصل قدمه الذى يقف عليه , فسقط المجرم مرة أخرى أرضا ليستقبله وائل بلكمات كالقنابل فى أماكن متفرقه ... تحملها الشاب بصلابه نادرة , وأمسك بوائل من شعرة ثم جذبه إليه بقوة وصدم رأسه بالجدار بمنتهى العنف ..
ثم أتبعها بصدمه أخرى بالجدار
وأخرى ...
وأخرى ...
وأخرى ...

وبدأ وائل يشعر بالدوار ... وأحس بالدماء تسيل غزيرة من رأسه لتغرق ملابسه .. سقط وائل أرضا وقبل أن يفقد وعيه تماما سمع أول وأغرب جمله من المجرم الشاب ...

- " لن تستطيع الإمساك بى يا وائل باشا ... لن تستطيع "

* * *

إزدحم طريق الحريه فى الإسكندريه بسيارات المطافىء والإسعاف , وكانت كلها تقصد منطقه بعينها , فيلا 313 طريق الحريه ... هذة الفيلا التى شهدت منذ أقل من ساعه صراعا دمويا غريبا بين ظابط شاب لا يعرف الرحمه ... ومجرم من طراز خاص ...

تم إخراج وائل على محفه تابعه لإسعاف الإسكندريه , وأدخلوة عربه الإسعاف على الفور , وإلتف حوله زملاء مهنته فى السيارة , ينظرون إليه بشفقه وخوف على صحته ... كانت الدماء تغطى جسدة بالكامل , وهناك جرح كبير فى رأسه , وقد غطته مياه سيارات المطافىء بالكامل ...

إستعاد جزء من وعيه , فتطلع فى الواقفين حوله ثم سأل السؤال الشهير الذى يسأله كل من يفيق من إغماءته ...

" أين أنا ؟ ماذا حدث ؟ "

أجابه أحد زملاءة :

أنت فى سيارة إسعاف... ماذا حدث يا وائل ؟ لقد تلقت المطافى مكالمه من مجهول بأن حريقا كبيرا شب فى الفيلا , وعندما دخلوا وجدوك على هذا الحال .... وائل .. وائل ؟
كان وائل قد أغمض عينه , وترك نوبه الإغماء تأخذة بعيدا ...

* * *

" هذا تهريج وإهمال وتفريط ! "

هكذا إرتفع صوت مدير الأمن عاليا حتى سمعه ظباط مكافحه الشغب فى الدور الأخير للمديريه , وحاول وائل أن يتكلم فقال بصوت حاول أن يجعله هادئا :

" يا سيدى أنا لم أكن ألعب , لقد كنت أتتبع المجرم فى منطقه ... "

قاطعه المدير بنفس درجه الصوت العالى :

" وماذا جنيت من مطاردته يا أخ ؟ كاد أن يقتلك ثم أشعل النار بالفيلا , ويبدو أنه من أتصل لإنقاذك ... لقد جعلته يسخر منا يا حضرة الظابط وائل ... كان يجب عليك أن تطلب الدعم قبل أن تدخل.. لاتنسى أن هناك فريق من الظباط يعمل معك , ويجب أن تتعاون معهم , لكنك لم تطلب الدعم , ظننت نفسك ( رامبو ) وتسرعت فى الدخول وحدك .. كان يجب إما أن تقبض عليه أو أن تموت محترقا قبل أن تجلب لزملاءك عار الإهانه ! "

حاول وائل التحدث قائلا :

" لكن الـ ... "

" لا يوجد لكن ... أقسم بالله إنك إن لم توقع بهذا الوغد فى أقرب فرصه , لأشرف بنفسى على طردك من المباحث , بل من سلك الشرطه كله , وحينها ستتمنى أن تكون أمين شرطه ولن تستطيع ...
أخرج من المكتب .. هيا "

أسرع وائل يخرج من المكتب ... تحاشى النظر لعيون زملاءة ... دخل دورة المياه , تطلع لوجهه فى المرأه ... كانت الكدمات تغطيه على أثر مطاردة البارحه , بالإضافه لقطعه صغيرة من الشاش لجرح رأسه الغائر .. وكانت أثار عدم النوم ظاهرة على وجهه ...

كيف إستطاع المجرم معرفه إسمه ؟ لقد سمعه جيدا يقول له قبل أن يفقد الوعى : لن تستطيع الإمساك بى يا وائل باشا ! ... كيف عرف إسمه ؟ هل يوجد بينهم سابق علاقه ؟ هل هو أحد زملاؤة فى العمل ؟!

أفاق من تفكيرة على صوت جهاز الاسلكى المعلق فى خصرة .. إرتفع الصوت فى دورة المياه لزميله يقول :

" نداء للوحدة 17 نجدة ... نداء للوحدة 17 نجدة ... جريمه جديدة فى محطه الرمل ... جريمه جديدة فى محطه الرمل ! "

إندهش وائل وأصغى السمع للجهاز :

" من الواحدة 17 إليك .. من الواحدة 17 إليك ... حدد الجريمه وجارى التوجه إلى هناك "

" الجريمه خطف سيدة فى السابعه والعشرين .. الإسم سارة محمد أحمد , أكرر ... الإسم سارة محمد أحمد .. توجهوا إلى هناك وتقصوا الأمر فورا ... "

سقط جهاز الاسلكى من يد وائل وقد أدرك أنهم يتحدثون عن زوجته !

* * *

لم تشهد منطقه محطه الرمل فى الأسكندريه من قبل كل هذا التكثيف الامنى ... كانت المنطقه تشبه إلى حد كبير المزار السياحى .. كان السياح يأتون من الكثير من دول العالم , خصوصا إيطاليا ( لقربها من الإسكندريه ) ليستمتعوا بالتسوق من محلات محطه الرمل , ويتذوقوا قهوتها الرائعه من مخزن البن البرازيلى , بالإضافه بالتمتع بالجو المشرق ومشهد البحر الرائع ...

إلا أن فى هذا اليوم بدا للجميع أن محطه الرمل قد تحولت إلى ما يشبه الثكنه العسكريه .. فقد وقف مجموعه من ظباط الحراسه ( حوالى 3 ) عند كل مدخل منزل , كما تم تشديد الحراسه على المساجد والكنائس فى المنطقه , وإنتشر العديد من رجال المباحث فى ملابس مدنيه فى كل أرجاء المنطقه ...

وكان الناس يتناقلون همسا الأحداث الأخيرة .. كيف مات المحامى , وكيف تم ( عصر ) أخر فى معاصر محلات ( تذوق ) والتى شهدت فتورا رهيبا فى عدد عملاءها , وتهامس الناس أن تحليلات الشرطه أثبتت أن الرجل الذى تم وضعه فى المعصرة هو رجل أعمال غنى , وتهامس أولو العلم منهم أن هذا الرجل من أحد حيتان الإسكندريه , وأن له من النفوذ القانونى وغير القانونى ما يجعله يستطيع التحكم فى من يريد وقتما يريد ... ولم يكن الناس مخطئه فى هذا ...

والسؤال الذى ظل يؤرق الناس , كيف إستطاع هذا المجرم إقتلاع رجل الأعمال الفاسد من وسط حراسته المشددة وإلقاؤة فى المعصرة ؟

ولم يكن يعلم الناس أن فى منزل وليد الجزار ظابط أمن الدوله , كانت مسرح أحدث عمليه لسفاح محطه الرمل , كما أصبح الناس تسميه ...

* * *

جلس وائل محتضنا أبناؤة , الذين أجهشوا بالبكاء .. كانت عيونهم تتسائل قبل شفاههم ... أين ماما ؟ وعندما سألهم وائل عما حدث لم يحصل على الكثير من المعلومات ... لقد إنتزعها شخص ما من فراشها ليلا , ومن ثم إختفت أمهم دون أن تتمكن من إطلاق صرخه واحدة ...

مقارنه سريعه بين الوقت التقريبى للخطف ووقت صراعه مع السفاح , يجعله يعلم أنه لم يضع الوقت .. وأنه أجهز على وائل فى الفيلا وأسرع يخطف زوجته من منزلها ...

كانت ملايين الأسئله تتصارع فى ذهن وائل ...

كيف عرف السفاح إسمه ؟
كيف عرف محل إقامته ؟
لماذا أبلغ المطافىء بالحادث ولم يتركه يلق مصرعه ؟
لماذا إختطف زوجته ولم يقتلها ؟

ترك وائل أطفاله وإتجه إلى غرفه نومه مع زوجته ... جلس على حافه الفراش , وأخذ يسترجع ما حدث له فى الفترة الأخيرة ...

لقد فقد كل شىء منذ ظهر هذا السفاح ...

خسر شهرته الأسطوريه فى عالم المباحث ... مع تهديد حقيقى بفقد وظيفته...
خسر كرامته وسمعته عندما تغلب عليه رجل واحد وكاد أن يقتله لولا عنايه إلهيه يجهل سببها !
خسر زوجته ... حبيبته ... ام أطفاله ...

نظر بجوار الفراش فتلاقت عيناه مع عينى صورة زوجته ...

أخرج مسدسه من جرابه ... وضع المسدس عند رأسه ....

لقد خسر اللعبه ويجب أن ينسحب من كل شىء ...

رن هاتفه المحمول فإنتفض وائل , وسقط مسدسه من يدة على الأرض , وبدل نظرة بين هاتفه ومسدسه فى رعب ... رفع الهاتف لأذنه وسمع صوت زميله فى إدارة البحث الجنائى يصرخ بجنون :

" وائل ... وائل ... إفتح محطه ( ... ) الفضائيه حالا .. يبدو أن هناك رساله جديدة لك ! "

* * *

جرى كالملسوع إلى التلفاز , وفتح القناه الفضائيه وعينه تتابع شريط الدردشه السفلى , وجمله واحدة تتكرر دون ملل على الشريط :

" وائل باشا .. ما رأيك فى مقابله أخيرة ؟ لدى ما يهمك , تعالى وخذة , ولا تنسى أن تأتى وحدك ... تعرف كيف تجدنى .. إلى اللقاء "

* * *

تطلع وائل الجزار لمنزل من طابق واحد .. يقع على مشارف مدخل مدينه الإسكندريه , ثم نظر إلى زميله الواقف بجوارة وقال له :

" إرحل أنت يا سامى "

" مستحيل .. يجب أن أدخل معك ونلقن هذا الوغد درسا و .... "

قاطعه وائل قائلا :

" لقد طلب منى أن أأتى وحدى , أخشى الا أنفذ أوامرة فيقتل سارة , سأتمكن منه إن شاء الله "

لم يكن أمام منطق وائل إلا أن رحل سامى , وقبل أن يرحل , نظر إليه وائل نظرة طويله ثم قال له :

" سامى ... إذا حدث شىء لى فسارة والأولاد أمانه فى عنقك " ...

بادله سامى نظرة حملت من المعانى ما يعجز كتاب عن وصفها ورحل فى صمت ...

ترجل وائل من سيارته , وتأكد من حشو مسدسه فى خصرة , و تحسس بيدة مسدسه السرى بالقرب من جوربه , ثم تحسس بيدة الأمشاط الإضافيه للمسدس فى جيوبه الخلفيه ... وسار نحو المنزل فى بطء وحزم ...

كان يعلم أن ما سيفعله بالداخل سيتحدد به مصير كل شىء فى حياته ... وسيكشف كل الأسرار التى خفيت عنه ... أو يموت وتبقى هذة الأسرار طى الكتمان إلى مالانهايه ...
توقف وائل أمام بوابه المنزل الذى تم إرسال الرسائل إلى المحطه الفضائيه منه , قرع الباب بعنف , ففوجىء أن الباب مفتوح بالفعل ... أزاح الباب بعيدا , ثم دلف إلى الداخل ...

رغم ضوء الصباح الذى يغمر الإسكندريه فى الخارج , إلا أن المنزل من الداخل بدا معتما , يبدو أن سكانه قد أغلقوا كل النوافذ , وأسدلوا كل الستائر ... كان المنزل متواضع إلى حد كبير ... به الأساسيات فقط .

أخذ وائل يتطلع إلى تفاصيل المنزل حينما أتاه صوت من الأعلى يقول :

" أهلا وائل باشا ... يبدو أنكم فى الداخليه تتعاونون جيدا مع إدارة القنوات الفضائيه وشركات المحمول ! "
كان هذا هو الشاب بعينه الذى إنتصر على وائل فى المواجهه الاولى , يقف فى الدور الثانى من المنزل , ووراءة تدلت سارة زوجه وائل , وقد ربطت من يديها فى السقف , بينما إلتف حول قدماها حبل غليظ , وأسندت على مقعد بسيط حتى لا تنخلع يدها من جسدها جراء هذا الوضع المؤلم ...

بمجرد أن نظر وائل إلى السفاح , حتى أخرج السفاح مسدسا من جيبه , ثم ألصقه برأس سارة التى أطلقت صرخه مكتومه ونظرت لوائل نظرة إستعطاف , وقالت له بصوت مبحوح من البكاء :

- " وائل ... ماذا حدث ؟ أنقذنى !

- " سارة ... حبيبتى لا تخـ.... "

قاطعه صوت السفاح بغضب :

- " كفانا هذة المنولوجات يا وائل باشا .. ولنتكلم فى المفيد "

ضغط وائل على أسنانه بشدة ونظر للسفاح نظرة قاتله وقال له :
" إسمعنى أيها الوغد ... قبل أن تبدأ أنت جرائمك كنت أنا الأسطورة ... الأستاذ ... لقبنى اصدقائى بوائل الجزار , ولم أفشل فى حل قضيه واحدة أوكلت إلى .. وحين ظهرت أنت أيها المعتوة تبدل كل شىء , وسأخسر وظيفتى , وخسرت كرامتى , وأضفت أنت إلى هذا أنك أخذت منى زوجتى ... لذا فلن أقسم بالله ... أقسم بالشيطان , أننى سأقتلك ... فإن تركت زوجتى فأعدك أن أقتلك بهدوء وبأقل قدر ألم ... أما إذا مسست شعرة منها فسأذيقك العذاب لمدة إسبوع كامل ....."

مسح وائل عرقه من على جبينه , ثم أكمل والشرر يتطاير من عينه , واللعاب يتناثر من فمه :

" أما إذا أذيت إنشا واحدا من جسدها فسأذيقك العذاب لمدة شهر ... أقسم بالله أننى سأجرى لك عمليه نقل دم لأبقيك على قيد الحياه وأستمتع بتعذيبك .. قبل أن أشوى لحمك على نار متوسطه ... "

إرتفع صوت تصفيق هادىء من كف السفاح ... ثم قال ببرود :

" أداءك المسرحى متميز يا وائل باشا ... وقبل أن أرد تفصيليا على كلامك يجب أن أفعل شىء بسيط أولا ... "

قالها وهبط السلم الذى يوصله للطابق السفلى , وإقترب من وائل غير مهتم بما قد يفعله به هذا الأخير , وفكر وائل بسرعه البرق , فوجد أن أى محاوله منه لأن يستل مسدسه ويطلق النار على السفاح لن تجدى , فسيستطيع السفاح إطلاق النار على سارة قبل أن يخرج هو مسدسه , كما أنه درس فى أكاديميه الشرطه حقيقه علميه تقول أن جسد أى شخص عندما يتم قتله , يملك ما يعرف بإسم ( لحظه الثبات ) وهى لحظه واحدة يكون فيها القتيل مسيطرا على جسدة كليا قبل أن يموت , فحتى إن أطلق وائل النار على رأس السفاح , فأن السفاح سيقتل سارة خلال ( لحظه الثبات ) ...

إقترب منه السفاح , وإستمر فى توجيه مسدسه إلى رأس سارة التى أخذت تشاهد ما يحدث بجزع , ثم بحركه سريعه أحاط السفاح أيدى وائل بـ ( كلابشات ) خاصه , بحيث تعجز يداه عن الحركه , ثم هبط بسرعه إلى قدمه فأوثق قدما وائل بحبل متين على الأرض , وعبثا حاول وائل أن يضع قدمه بوضع لا يريح السفاح فى ربطهم , أو يتيح له حريه الحركه , إلا أن الأخير أحكم ربطهم جيدا ...

صعد السفاح بسرعه مرة أخرى حيث يقف , ثم خاطب وائل قائلا :

" الأن إلق إلى بمسدسك يا وائل باشا .... "

بهدوء أدخل وائل يدة المكبله بصعوبه إلى جيبه وأخرج مسدسه ثم ألقاه بإهمال بإتجاه السفاح الذى تكلم محدثا وائل :

" والمسدس السرى الأخر .... "

" لا يوجد مسدس أخـ ... "

صرخ السفاح بنفاذ صبر وهو يلصق المسدس بجبه سارة :

" المسدس السرى الأخر وإلا نسفت رأس المدام ! ... لا تتعجل بإنهاء المرح قبل أن يبدأ ! "

أسرع وائل يخرج المسدس السرى من مكانه ويلقى به هو الأخر ...

جلس السفاح على مقعد بالقرب من سارة , ولم يفته أن يوجه ماسورة المسدس بإتجاهها , متجاهلا نحيبها المتواصل .. ثم تحدث مخاطبا وائل :

" كنت أستمع متمتعا بوعيدك لى بالتعذيب والقتل ... غريب هو أمركم يا رجال الشرطه ... بل هى غريبه طبيعه النفس البشريه .. أنت الأن تتوعدنى بالتعذيب والقتل إذا لمست زوجتك .. فهل تتذكر ما فعلته أنت يا وائل باشا ؟ "

صمت قليلا ثم أكمل :

" بالتأكيد لا تتذكر .. فأمثالك لا يتذكرون ضحاياهم .... لا لضعف ذاكرتكم , بل لكثرة عدد الضحايا .... ولو كانت ذاكرتكم قويه فى تذكر الضحايا بقدر قوتها فى تذكر القضايا الناجحه والنياشين والترقيات ... لما نمتم يوما واحدا ... "
إلتقط أنفاسه , وأخرج سيجارة أمريكيه , أشعلها ثم تابع وهو يستمتع بأول أنفاسها :

" دعنا نتعارف أولا يا وائل باشا ... أنا محمود عباس .. مواطن مصرى سكندرى شريف ... وأنت ؟ "

تابع بسرعه كمن لا ينتظر إجابه :

" وائل ... وائل الجزار ... ظابط شرطه سابق محترف , وظابط أمن دوله حالى لا تعرف الرحمه ... هل أخطأت فى شىء ؟ "

" هل تذكر إسم محمود عباس ؟ هل يعنى لك هذا الإسم شيئا ؟ "

أخذ وائل يبحث فى عقله بسرعه البرق .. لم يجد لهذا الإسم أى صدى أو معنى لديه .. هز رأسه بعلامه النفى فتابع محمود :

" كنت أعرف أنك لا تتذكر .. حسنا يا وائل باشا ... سأحكى لك حكايتى ... "

أخذ نفسا عميقا أخر من السيجارة ثم تابع :

" أنا يا وائل باشا مواطن سكندرى شريف .. من الطبقه المتوسطه , تلك الطبقه التى لا تتسول رزقها على الأرصفه , وأيضا لا تعيش فى فيلات وقصور ... هذة الطبقه التى تنهار الأن فى ظل الغلاء , وسيطرة الخصخصه ... نجحت قله من هذة الطبقه فى القفز إلى مصاف الطبقه الغنيه الراقيه , ومعظمهم قفزوا بفعل أمور غير مشروعه ... وهبط من هبط من أبناء الطبقه المتوسطه إلى مستوى تحت المتوسط ...

ليست هذة محاضرة دراسات إجتماعيه , إنما أريدك أن تعلم أننى مواطن عادى وبسيط , يعانى من كل ما يعانى منه المواطن العادى والبسيط ... كنت أعمل لدى أحد أكبر رجال الأعمال فى الأسكندريه , وكان يثق فى ويعاملنى كإبنه , حتى أنه أعطانى قرض بخمسه ألاف جنيه لأبدأ بهم مشروع صغير خاص بى .... فشل المشروع وتعثرت فى السداد , إلا أن الرجل الطيب صبر على , وأخذ يصبر ولم يطالبنى بالسداد , حتى إتصل بى ذات يوم رجل أعمال منافس لرئيسى , وأخبرنى أنه يستطيع أن يدبر لى ملغ نصف مليون جنيه , وتذكرة إلى أى دوله أختارها إذا قتلت مديرى فى العمل وكان معه محامى ذئب من خبراء اللعب بالقانون حاول أن يطمئننى لأنفذ ما يريدونه ... رفضت بقوة وهاج هو , فلم يكن يتوقع أن أرفض , وبعدها بأيام مات رئيسى فى العمل , بالطبع وجد رجل الأعمال المنافس من قبل بهذة الصفقه القذرة ...

هكذا حامت الشبهات حولى , فأنا المدين له بمبلغ كبير , وأنا من أتعثر فى ديونى وفشل مشروعى الشخصى , وهكذا إستدعتنى النيابه للمثول أمامها للتحقيق ...

سكت محمود برهه , ثم أخذ نفسا جديدا من السيجارة بين أصابعه قبل أن يتابع :

" عندما إقتادنى الجندى إلى حجرة التحقيق , قال لى جمله لن أنساها ... قال لى : يبدو أنك أغضبت أمك أو ربك بشدة , فوائل الجزار لا يرحم أحدا .... أنت مثل ولدى , عندما تمثل أمامه أعترف بما يريدك أن تعترف به , وضع إمضائك على ما يريد من أوراق , وإلا فالويل لك "

أكمل محمود قصته قائلا :

" كنت حينها شابا جامعيا متفتحا , متزوج حديثا وحب زوجتى يملأ قلبى , وأنظر للحياه من منظار وردى , وكنت أتوقع أن ألقى تحقيقا مع متهم , من المفترض أنه برىء حتى يثبت دليل إدانته لا العكس ... , إلا أننى عندما مثلت أمامك تغيرت كل الحقائق أمامى ... وتفتحت عينى للمرة الأولى على حقيقه ما يحدث فى مجتمعنا "

بمجرد أن دخلت غرفه التحقيق , أجلستنى يا وائل باشا أمامك على مقعد جلدى وثير , ثم طلبت لى كوبا من الليمون , وأخذت تهدىء من روعى , فلم أكن معتادا على دخول أقسام الشرطه ... وأخذت ألعن فى سرى هذا الجندى الغبى الذى قال لى أنك لا تعرف الرحمه .... وبهدوء أخرجت لى ورقه من أوراق المحضر , وطلبت منى أن أضع إمضائى عليها ... قرأت الورقه فوجدت إنه إعتراف كامل وموثق بأننى من قتلت رب عملى , مع شرح بطريقه التنفيذ , وإعتراف على شركاء وهميين أيضا !!

بالطبع رفضت .... وهنا رأيت الوجه الثانى لوائل الجزار ....

توقف محمود قليلا عن التحدث , وبدا وجهه كأنه يعانى من تذكر لحظات صعبه مرت عليه فى حياته , ثم تابع قصته قائلا :

" بدايه إنهلت على أنت ورجالك ضربا بالأيدى والأقدام ... كسرتم أنفى و نصف أسنانى , وشججتم رأسى , ثم إنهلتم ضربا على بكرباج تضعه فى درج مكتبك , غير عابىء بتوسلاتى وصرخاتى التى ملأت المكان ... "

" ثم عرضتم على الإمضاء مرة أخرى فرفضت , فبدأتم فى إستعمال الكهرباء ... هذة الأجهزة السوداء الصغيرة التى وزعتها عليكم الحكومه لتفريق المظاهرات سلميا وشل حركه المجرمين مؤقتا .. هذة الأجهزة التى تطلق تيارا كهربائيا متقطعا , هذة الأجهزة التى تستعمل لدى كل بلاد العالم فى نطاقها الطبيعى , إلا أنها لديكم تستعمل لغرض قذر ... التعذيب ...

أخذتم تصعقونى صعقا متقطعا حتى لا أموت , وكل مرة تزيدون الجرعه .. أخذت أتوسل لكم ... أحاول بكل طريقه إرضاؤكم إلا أنكم إمتنعتم عن أى شىء إلا إجبارى على الإمضاء ... وكنت أعلم أن الإمضاء يعنى أن أموت شنقا .. فأثرت الموت صعقا عليه ...

وإستمرت جلسات التعذيب ثلاثه أيام ... يحضرنى أحدهم من الزنزانه أول اليوم ويرجعنى لها مع نسمات الفجر الاولى ... كانت هناك ( نبطشيات ) تعذيب تتم على , حتى نسيت طعم الراحه , وأصبح الألم صديق لى , والدم فى الزنزانه أكثر من ماء الشرب , وقطع لحمى المتناثرة جراء التعذيب أكثر من خبز السجن .... "

أخذ محمود أخر أنفاس السيجارة , وألقاها بإهمال عند قدم سارة .. التى أخذت تستمع مذهوله لما يحكيه محمود عن زوجها .. كانت تعرف أن زوجها يعمل فى المباحث قبل أن ينتقل لأمن الدوله , إلا أنها لم تكن تعلم أنه يقوم بكل هذا , كانت ترى أحيانا مشاهد التعذيب فى أحد الأفلام , وتسأل زوجها إذا كان يفعل هذا أم لا , قكان يقول أن له زملاء يقومون بهذا , وهم قله تعمل الأفلام على المبالغه فى تصويرهم , وأخبرها أنه لا يفعل هذا مطلقا ...

وهاهى تسمع قصه يشيب لها الرضيع .. عن زوجها ...

تابع مجمود بعد أن ألقى باقى سيجارته :

" وفى اليوم الثالث أحضرونى إليك يا وائل باشا ... كنت وحدك فى المكتب لأول مرة .. لم يكن معنا أحد ... وأخبرتنى أنت بشماته أن لديك مفاجأه لك , ثم غبت داخل غرفه ملحقه بمكتبك وجئت بأخر شخص قد أتخيل أنك قد تحضرة إلى هنا ... "

صمت قليلا ثم قال بصوت يكاد يقطر دما من الألم :

" زوجتى "

ثم تابع :

" أحضرت زوجتى إلى المكتب ... كانت تبكى وتنتحب وتتوسل إليك أن تتركها وتتركنى , وتقسم لك بأغلظ الأيمان أننى لم أقتل أحدا ..

كانت الكثير من التصورات تدور فى رأسى وقد أحضرت زوجتى , إلا أن أبشعها تصورا هو أننى تصورت أنك تمارس نوع من الضغط على , فتحضر لى زوجتى التى لم يدم على زواجنا أكثر من شهر , وتذكرنى بجمال الحياه فأعترف .... ثم قيدتنى من يدى بـ (كلابشات ) ومن قدمى بحبل غليظ .. ثم قلت لى بالحرف الواحد :

" علمت عنك أنك عريس جديد يا محمود ... فهل كنت جيدا فى ليله الدخله ؟ , سكت لحظه ثم وجهت سؤالك لزوجتى : هل كان جيدا فى ليله الدخله يا ( بت ) ؟

تجاهلت زوجتى سؤالك وتلميحه القذر , فاخذت برأسها وأخذت تضربه بالجدار حتى سال دمها ... حتى إضطرت أن تجيبك : نعم .. لقد كان جيدا ...

سأظل أتذكر مدى حياتى ضحكتك القذرة حينها , متجاهلا صرخاتى وتوسلاتى أن تتركها , ثم قلت لها :

" وكيف تعرفين وأنت لم تجربى رجالا أخرين ؟ "

هنا فقط بدأت أفطن لما تريد أن تقوله يا وائل باشا ...

ثم رأيتك تخلع بنطالك فى هدوء , وتمسك بزوجتى بعنف رهيب , وتقطع ملابسها قطعه قطعه أمامى ...

حينها .. وحينها فقط أخذت أتوسل إليك أن تتركها ... أقسمت أن أوقع على كل ما تريدة من أوراق ... أخذت أزحف وأنا مقيد حتى أقبل قدميك , أخذت أتلحس فى بنطالك المخلوع ككلب وفى ... إلا أنك قلت كلمه واحدة فقط حينها ...

" لقد تأخرت جدا يا محمود ... تأخرت .. "

ثم أكملت إغتصابك لزوجتى .... حتى النهايه ...

* * *

أجهشت سارة بالبكاء ... لا لكارثه أنها مخطوفه ومقيدة , ولا لأزمه أن زوجها مقيد أمامها , وإنما لهذا الهول الذى تسمعه عن زوجها بأذنها ... ضع نفسك مكانها ... زوجه لديها طفلان تسمع عن قصه إغتصاب زوجها لإمرأه أخرى .... ماذا يكون رد فعلها ؟

نهض محمود من مكانه , وإتجه إلى حوض صغير فى نهايه الطابق الثانى , غسل وجهه جيدا فى محاوله لإخفاء توترة وغضبه , ثم عاد مرة أخرى لمكانه وأخذ يكمل :

" هذا ما تعلمه أنت يا وائل باشا ... قد يتوة فى بحر ذكرياتك , إلا أنه سيطفو لحظه ما على ذاكرتك , أما ما لاتعرفه هو أننى وضعت إمضائى بعد إغتصاب زوجتى على كا ماتريد من أوراق , ثم أحاولنى للمحاكمه فانهرت أمام القاضى وأعلنت أننى وقعت على الأوراق تحت إكراه رهيب , ظنا منى أن هذا كفيلا بمحاكمتك , إلا أنهم أعادوا التحقيق معى مع شخص أخر غيرك .. كان قمه فى التعامل الراقى مع البشر ,ويعامل المتهم كإنسان ومواطن لم تثبت عليه التهمه بعد ... وهكذا تمت تبرئتى من القضيه .. وعدت لأجد أننى أعيش مع حطام زوجه ... وكانت هى الأخرى تعيش مع حطام إنسان ...

لن أحكى لك معاناتى الشخصيه مع زوجتى , فلسنا فى إذاعه نجوم FM ولست أنت أسامه منير ! يكفى أن تعلم أنها ماتت بعد شهر واحد من ما حدث معها وإكتشفت عندما ماتت أن ثمه جنين كان يتكون فى أحشاء هذة المسكينه ... هنا فقط قررت الإنتقام ...

* * *

بدايه بدأت أستعد جسديا ونفسيا لما أنا مقدم عليه .. تدربت على التايكوندو والكاراتيه , وتعلمت إطلاق النار , ودرست قضايا الشرطه فى معظم أنحاء العالم , لأتعرف على أخطاء المجرمين ,وأخذت أراقبك وأتحسس أخبارك وأراقب منزلك يوميا , ودرست عبر الإنترنت معظم مناهج أكاديميات الشرطه فى العالم , وتعلمت وسيله لمنع أن تكون لدى بصمه قدم أو إصبع فى أى مسرح جريمه ... كانت الوسيله بسيطه لكن مؤلمه إلى أقصى حد ... كان يجب أن أقطع مقدمه أصابعى ... هذة البشرة الرقيقه فى أسفل كل إظفر ... كان يجب على أن أقطعها فى كل أصابعى , وأن أرتدى أى كيس بلاستيك حول قدمى ... هكذا لا تظهر لى أى بصمه فى أى موقع جريمه ...

وضعت خطه لا يمكن أن تفشل ... بحيث أصل إليك من خلال قتل رجل الأعمال الذى قتل رب عملى ووضعنى فى ما أنا فيه هو والمحامى التابع له , وكان يجب أن أقتلهم فى منطقه محطه الرمل .. محل عملك , وهكذا أضمن أن يتم تكليفك بالتحقيق فى الواقعه , وساعدنى القدر بأن سكن المحامى فى محطه الرمل , وهكذا وجدتم أنتم جثته وقد البسته ملابس الترافع ... عل الرساله تصلك ...

كنت أستطيع أن أتسلل إلى منزلك ليلا فأقتلك وينتهى الأمر .. إلا أننى أحببت أن أغلق الجرح بالكامل .. فلولا رجل الأعمال والمحامى لما وجدت نفسى أمامك , وكنت أريد أن أحول حياتك لجحيم , وأن أهدم أسطورتك التى بنيتها على البطش والقوة , أن أحطم حياتك العمليه والنفسيه والإجتماعيه ... أن أحرمك من أن تنام فى المساء كما حرمتنى .... كنت أريد أن أراك كما أراك الأن ... مقيد كما قيدتنى ... وأن أرىى زوجتك أمامى كما رأيت زوجتى .

سكت قليلا ثم تابع :
ثم قتلت رجل الأعمال نفسه ... وكان هذا سهل جدا , لقد وافقت أحدى فتيات الليل أن تستدرجه مقابل مبلغ من المال وتجعله يتخلى عن حراسته المشددة ليقضى معها لحظات من النشوة , إلا أنه وجدنى أمامه , وصدقنى كاد أن يموت هلعا وأنا أقيدة , وأتركه يواجه قدرة فى معصرة محلات ( تذوق ) ... تخيل أن تظل مستيقظا مكمم الفم مقيد الحركه لمدة 12 ساعه , وأن تعتصر الماكينات عظامك حتى الموت ....

ثم أخذت أرسل برسائل على كل شبكات الدردشه فى القنوات الفضائيه , حتى أسترعى أنتباهك , إلا أننى أعترف أنك فاجئتنى بالوصول إلى فى فيلا طريق الحريه , وأدركت فيما بعد أنك تتبعت رقم المحمول ..

صدقنى يا وائل باشا لم أجد متعه أكبر من أن أرطم رأسك فى الحائط حتى تفقد الوعى كما فعلت مع زوجتى تماما ...

وهكذا تركتك تصارع الموت , إلا أننى قررت أنقاذك لأن الجوله الأخيرة لم تحن بعد , لهذا إتصلت بالمطافىء بعد أن أشعلت النار فى الفيلا لمسح اى دليل, وإتجهت إلى حيث منزلك و .. وإختطفت المدام ..

* * *

خيم الصمت على المنزل بالكامل ... وأخذت سارة تنظر برعب إلى زوجها , بينما تسمر وائل فى مكانه , وهو يحاول فك قيود قدمه بلا فائدة ... تكلم وائل فخرج صوته مرتعشا وهو يقول :

" إسمع يا أستاذ محمـ ... "

قاطعه محمود بقوله :

" أستاذ محمود ؟! الأن تنادينى أستاذ محمود بعد أن وقعت فى يدى ؟ بعد أن تحول الصياد إلى فريسه ؟ أين كان كل هذا الإحترام وأنت ... وأنت تنتهك زوجتى ؟ أين كان وأنت تصعقنى ؟ "

تحدث وائل مجددا :

" أستاذ محمود ... أنت لا تعلم طبيعه عمل الشرطى ... أنه يتعامل مع أسوأ أنواع البشر , ودائما يجب أن تحدث مخالفات و ... "

إرتفع صوت محمود بشكل شديد وهو يصرخ :

" مخالفات ؟ تسمى الإغتصاب مخالفات ؟ تسمى الصعق مخالفات ؟ كف عن ترديد هذة الترهات ... "

ثم إعتدل فجأه وهو يقول بهدوء :

" العين بالعين والسن بالسن ... والجروح قصاص " !!!

وبدأت المذبحه ....

* * *

بمجرد أن أنهى محمود جملته حتى ترك مسدسه على المقعد أمامه , وأسرع يخلع بنطاله وهو يصرخ :

" سأغتصب زوجتك كما إغتصبت زوجتى أيها الوغد "
ثم أسرع بخلع بنطالع بشكل جزئى , ثم أخذ يخلع عن سارة ملابسها ... أخذت هذة الأخيرة تتلوى وتصرخ وتتوسل وتكافح للخلاص من قيدها , بينما إنتابت وائل الجزار مايشبه حاله الهياج , فأخذ يخبط قيودة فى كل مكان حوله وأخذت قدماه تتحرك فى كل مكان تحاول الخلاص من قيدها , صاحب ذلك صراخه بأقذر مايعرف من ألفاظ , ثم أخذ يهدد ويتوعد :

" سأقتلك أيها الوغد ... إبتعد عنها وإلا جعلتك تنـ..... "

قطع وائل حديثه لأنه إستطا ع فك قيود قدمه , فجرى بأقصى سرعه نحو الطابق الثانى , وتجاهل يدة المربوطه ببعضها بالـ ( كلابشات ) , وبسرعه البرق وجد نفسه أمام محمود وهو يهم بإغتصاب سارة أمام عينه ...
وجه وائل ضربه لصدر محمود , أودعها كل ما فى قليه من حقد وغل , وما فى قلبه من حب لزوجته , أطاحت بمحمود إلى الخلف عدة أمتار , أفاق محمود من هول المفاجأه بسرعه , ثم أكال لكمه كالمطرقه لوجه وائل , مستغلا عدم قدرة هذا الأخير على تحريك يديه بحريه - بسبب الكلابشات - .. لكمه أودعها كل غيظ وغل مما حدث لزوجته على يد وائل .... كان صراع بين رجلين ... أحدهما يدافع عن شرف زوجته التى تغتصب أمامه والثانى ينتقم لشرف زوجته التى أغتصبت أمامه ....

إستمر الصراع بين الرجلين لمدة دقائق , مرت على سارة ووائل ومحمود كأنها ساعات , أخذ الإثنان يتدحرجان أرضا وكل منهم يحاول السيطرة على الأخر ...

بصعوبه ركل وائل محمود فى قدمه , ثم وقف بسرعه وهو يشعر بالدوار ... وقف محمود بعيدا عن وائل كإنما يستعيد قوته مرة أخرى ... كانت سارة أمامه بلا ملابس تقريبا إلا أنه لم يستطع إكمال إغتصابها , وكان وائل أمامه يمنعه من إكمال ما وهب حياته من أجله ...

إستعد محمود للهجوم مرة أخرى , بينما رفع وائل يدة ووضعها خلف ظهرة ثم قال بثقه – رغم وضعه الصعب - :

" هل تعلم يا محمود .. رغم إطلاعك على مقررات أكاديميات الشرطه فى الكثير من دول العالم ... إلا أنه توجد أشياء يتعلمها رجل الشرطه .. لا من الكليه , بل من الخبرة والمران ... هل تعلم ما هى ؟ "

لم يجبه محمود وإنما أطلت كل خليه من خلايا وجهه تنطق بالسؤال ... " ماهى " ؟

أجابه وائل :

" أن تحتفظ دائما بمسدس ثالث فى حال تم تجريدك من المسدس الأساسى والإحتياطى "

قالها وهو يخرج مسدس ثالث من جراب سرى فى مقدمه ظهرة , كان صغير الحجم رقيق السمك بحيث لا يمكن تمييزة , كان وائل يحمل واحد دائما , وقد قرر ألا يستخدمه إلا عندما تسنح له الفرصه المثاليه , فهو يعلم أنه لو أضاع هذا المسدس لدفع ثمنا لهذا حياته وشرف زوجته ...

أخرج وائل المسدس وسدد فوهته بدقه إلى رأس محمود ... إبتسم هذا الأخير وإعتدل فى وقفته وقال :

" حسنا يا وائل باشا ... هل تعتقد انك تفوز ؟ لتخبرنى من الفائز فى كل لحظه تغمض فيها عينك فتجد وجهى أمامك .... "

صمت قليلا ثم قال بالإنجليزيه :

Game Over

إنطلقت رصاصه وائل تخترق جمجمه محمود فى منتصفها ... وتخرج من الجانب الأخر لرأسه وقد أحدثت ثقبا دمويا بشعا فى منتصف جبهته .... سقط محمود جثه هامدة ... وإن لم يختف شبح الإبتسامه من على وجهه !

* * *

أسرع وائل يوجه المسدس بيدة اليمنى إلى السلسه التى تربط أساور الـ ( كلابشات ) .. أطلق رصاصه عليهم ثم أسرع يفك قيود سارة ... كانت ماتزال واعيه رغم كل ماحدث لها , أخذ وائل يستر جسدها بما لديه من ملابس ... بينما إنتشرت أشلاء مخ محمود تغطى المكان من حولهم ...

ضمها إلى صدرة وأخذ يهتف بها بلا توقف :

" لقد إنتهى الكابوس يا حبيبتى ... إنتهى الكابوس "

* * *

" مبروك يا وائل "

إرتفع الهتاف من عدة زملاء لوائل فى مكتب أمن الدوله , لم يبال بهم وائل , دلف مباشرة إلى مكتب رئيسه , لم يطرق الباب , ولم يهتم المدير بذلك ... قام المدير بنفسه ليحتضن وائل ويجلسه على المقعد أمامه , وأخذ يلقى عليه بعبارت الثناء والمديح ...

تعجب وائل من هذا الوجه البشوش أمامه .. هذا الوجه الذى كان ينذرة بالويل منذ بضعه أيام !

أفاق وائل على عبارة مديرة :

" سيادة الوزير مهتم جدا بما فعلته , لقد أخبرته أنك أفضل رجل لدى , وأخبرته كم دربتك وأعطيتك من التوجيهات لإنهاء هذة القضيه ... وهو يريد مقابلتك شخصيا ليشكرك ... ماهذا الذى تحمله معك يا وائل ؟ "

لم يرد عليه وائل وإنما وضع أمامه ملف من ورقه واحدة , وغادر المكتب غير عابىء بمديرة الذى أخذ يتكلم وكإنما يحدث نفسه :

" ماهذا ؟ إستقاله ؟ هل جننت أيها المعتوة ؟ تستقبل بعد أن أغلقت ملف أسوأ سفاح شهدته مصر ؟ "

خرج من مبنى المديريه , ليسطع فى عينه فلاش الكاميرا , ويباغته شاب يحمل كاميرا تليفزيونيه ومذيعه حسناء تسأله :

" ما هو شعورك بعد أن قتلت أشهر سفاح فى مصر ؟ "

كاد ألا يجيبها ثم فضل أن يجيبها بكلمه واحدة ..

" أشعر بالعار "

ترك المذيعه لذهولها وواصل مسيرته حتى وصل إلى سيارته ... قادها بجنون حتى وصل إلى منزله ...

دلف إلى المنزل وأخذ يبحث عن زوجته .. وجدها جالسه على طرف فراشها ... قبلها فأبعدت وجهها فى اللحظه الأخيرة , قالت له :

" عدت مبكرا على غير عادتك "

أجابها والإبتسامه على شفته :

" إستقلت ... سأطوى هذة الصفحه من حياتى , وسنسافر مع الأولاد إلى .... "

قاطعته بقوة وهى تقول :

" طلقنى "

" لكن الأولاد والحياه و ... "

" طلقنى "

" لم أكن أنوى أن أغتصب زوجه محمود لقد ... "

" طلقنى "

" أرجوك أغفرى لى أو ... "

" طلقنى "

" أنت طالق "

* * *

الأن أكتب السطور الأخيرة فى مذكراتى , بعد أن رحلت سارة ومعها الأولاد إلى غير رجعه , وبعد أن تركت العمل فى الوظيفه الأحقر فى تاريخ الإنسانيه ... لا .. هى ليست حقيرة ... لكن طريقتنا فى التعامل والتصرف مع البشر هى الحقيرة .. لكم كنت أسخر من زملائى الذين يستعملون اللين فى التحقيقات ... اليوم أعرف أننى كنت الأحمق الأكبر فى العالم ...

وهكذا بعد أن فقدت كل شىء , لم يبق لى سوى الرجوع للحى الذى لا يموت , الله الذى يقبل توبه عبادة مهما فعلوا ... فهل يقبل هو الأخر توبتى ؟ أم أخسر معه الدنيا والأخرة ؟ لا أتذكر الأن سوى عبارة محمود الأخيرة ...

" حسنا يا وائل باشا ... هل تعتقد انك تفوز ؟ لتخبرنى من الفائز فى كل لحظه تغمض فيها عينك فتجد وجهى أمامك .... "

أنت الفائز يا محمود .. أنت الفائز ...


لن أشغل نفسى بالبحث عن إجابه لسؤالى عن قبول الله لتوبتى ... وسأترك للزمن ونعمه النسيان الإجابه ...

وائل محمود ... وائل الجزار سابقا .


تمت بحمد الله

الكاتب :- محمد حمدى
6 مارس 2007





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق