السبت، 28 مايو، 2011

مضيق هرمز فى بؤرة الصراع الإيرانى- الأمريكي

فى الوقت الذى يتحدث فيه العالم عن سيناريوهات ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران، يؤكد المحللون أن النفط سيشكل عاملاً حاسماً فى لجم اندفاع الأمريكيين إلى الخيار العسكرى، مشيرين إلى أن إيران قادرة على تعطيل نقل النفط عن طريق مضيق هرمز الذى يمر عبره أكثر من نصف إنتاج الخليج من النفط، إذ أن إغلاقه سيؤدى إلى رفع أسعار النفط إلى أكثر من 200 دولار للبرميل، مما يضع ضغوطاً هائلة على الاقتصاديات العالمية، وهو ما يمكن أن يحول دون توجيه ضربة إلى إيران.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
كانت منطقة الخليج العربى تمثل أهمية بالغة فى الأمس بحكم موقعها الجيو استراتيجى الغربى الذى يربط وسط آسيا مع غربها ومع بحر العرب والمحيط الهندى وأفريقيا عبر البحر الأحمر، واليوم بلغت ذروة أهميتها لكونها تسيطر على محيط نفطى لا حدود له يحوى حوالى 730 مليار برميل. وقد زادت الأهمية الإستراتيجية والنفطية للخليج العربى من أهمية مضيق هرمز الذى يعد الباب الذى تخرج منه صادرات النفط إلى الدول المستهلكة، والعالم الصناعى على وجه الخصوص، والتى تبلغ أكثر من 17 مليون برميل يومياً.

وقضية مضيق هرمز من دون سواها فى منظور الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيكى) تأخذ أهميتها بحكم موقع المضيق المهم الذى يربط بين الخليج العربى وخليج عمان، وهو بذلك يدخل فى نطاق المضايق التى تصل بين بحرين عامين هما بحر عمان والمحيط الهندى والخليج العربى الذى تقع عليه جميع دول الخليج من ناحية المغرب والعراق من الشمال وإيران من الناحية الشرقية، وهو بذلك يدخل فى نطاق المضايق من الناحية القانونية الدولية.

لذلك يعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية فى العالم وأكثر حركة للسفن، إذ يعبره أكثر من 40% من نفط العالم بمعدل 20-30 ناقلة نفط يومياً، وبمعدل ناقلة كل 6 دقائق فى ساعات الذروة ويقع المضيق بين إيران فى الشمال والشمال الغربى وعمان فى الجنوب، وتتألف شواطئه الشمالية من الجزء الشرقى (لجزيرة ركيشيم) مع جزر (لاراك) و(هينجام)، أما شواطئه الجنوبية فتتألف من الساحلين الغربى والشمالى لشبه جزيرة موزندام الواقعة فى أقصى الشمال بالأراضى الرئيسية لسلطنة عمان.

 فى خليج عمان يبلغ عرض الطريق فى المضيق فى الاتجاه الشمالى نحو 30 ميلاً، ويجرى المضيق نفسه فى الاتجاه الجنوبى الغربى العام ويضيق حتى يصل عرضه إلى حوالى 20 ميلاً عند النهاية الشمالية الشرقية بين جزيرة لاراك وجزيرة كوين التى تبعد نحو 50.8 ميل فى الاتجاه الشمالى لشبه جزيرة موزندام، ثم يبلغ العرض فى شبه الجزيرة هذه والساحل الشرقى لجزيرة كيشيم نحو 28 ميلاً ويبلغ طول جزيرة كيشيم نحو 60 ميلاً وتقع بموازاة الساحل الإيرانى ومفصول عنه بواسطة مضيق كلانس وهو مضيق ضيق ومعقد.

وبما أن اتساع المضيق نحو 23 ميلاً، فإنه يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية والعمانية، ولكونه يربط بين جزئين من البحار العالمية، فإنه يخضع لمرور الملاحة الدولية من دون الحاجة إلى إجازة مسبقة من الدولتين الساحليتين، فيما يعتبر الخط الوسط هو الحد الفاصل بين المياه الإقليمية للدولتين فى حالة وجود أو عدم وجود معاهدة بينهما.

وإذا كانت المياه الإقليمية متداخلة بسبب ضيق المضيق بالنسبة إلى مياهها الإقليمية فإن خط الحدود بينهما إما يثبت فى وسط المضيق أو مركز البحرى الوسطى، ما لم ينظم خلاف ذلك بمقتضى اتفاقات خاصة.

ومن الناحية العسكرية تسيطر القاعدة البحرية الإيرانية (بندر عباس) على حركة السفن فى المضيق من الشمال، والجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى)، (طنب الكبرى) و(طنب الصغرى) من الجنوب الغربى. وقد سارعت إيران باحتلال هذه الجزر الثلاث بالقوة فور انسحاب القوات البريطانية عام 1971. ولازالت هذه القضية موضع تنازع دولى بين إيران والإمارات، حيث ترفض الأولى إعادتها للإمارات بزعم أنها إيرانية الأصل. وقد دعمت إيران فيها وسائل دفاعها الساحلى والجوى، وتتمثل خطورة التواجد العسكرى الإيرانى فى هذه الجزر الثلاث فى أنها تشكل قواعد إيرانية لأى هجوم بحرى إيرانى ضد دولة الإمارات محتل فى المستقبل.

وإبان الحرب الإيرانية العراقية التى دامت ثمانى سنوات 1980-1989، أطلق المسئولين الإيرانيون التهديدات بإغلاق المضيق فى وجه الملاحة الدولية. ودارت آنذاك ما يعرف بحرب الناقلات، وكانت ناقلات النفط الكويتى تتحرك تحت حماية أمريكية. وكانت للتهديدات الإيرانية ردود فعل عنيفة عبرت عن القلق والاهتمام الشديدين بهذا المرفأ البحرى الدولى الذى لاغنى عنه للملاحة فى الخليج العربى الذى يعتبر شرياناً لإمدادات النفط للعالم الصناعى، خصوصاً بعد أن هدد هاشمى رفنسجانى - رئيس الجمهورية الإيرانية آنذاك- رسمياً بإغلاق المضيق أو ضربه إذا حتمت الظروف، مشيراً إلى أن إيران ليست فى حاجة إليه.

واليوم ومع سخونة الملف النووى الإيرانى إلى جانب تردى الموقف الأمني فى العراق بسبب التدخل الإيرانى فى العراق، وما يتسبب فيه ذلك من تكبيد القوات الأمريكية هناك خسائر بشرية مادية جسيمة، وبعد أن فرض مجلس الأمن الدولى عقوبات سياسية واقتصادية على إيران بموجب قرارين صدرا منه بالإجماع (1737، 1747) يمهدان لما بعدهما من قرارات أخرى تصعد من حجم العقوبات ونوعياتها إذا لم تستجب إيران لشروط المجتمع الدولى بإيقاف عمليات تخصيب اليورانيوم، وبما يعطى ذريعة فى هذه الحالة لشن عملية عسكرية ضد إيران بواسطة الولايات المتحدة وحلفائها، تبرز مرة أخرى قضية مضيق هرمز كورقة مهمة فى لعبة المناورات السياسية والنفطية والاستراتيجية، وخصوصاً فى ضوء التصريحات النارية لرئيس جمهورية إيران أحمدى نجاد ومرشد الثورة الإيرانية على خامنئى، ومع تكثيف التواجد العسكرى البحرى والجوى والبرى الأمريكي فى منطقة الخليج، والتهديدات الأمريكية المضادة، فإن الخيار العسكرى ضد إيران غير مستبعد من قائمة الخيارات الأمريكية.

خطة إيران للسيطرة على مضيق هرمز
تشير تقارير أجهزة المخابرات الغربية إلى أن إيران وضعت خطة من أجل الاستيلاء على المضيق وإغلاقه فى أقصر وقت ممكن إذا ما نشبت حرب بينها وبين الولايات المتحدة. 

معتمدة فى ذلك على أن الحرس النووى يمتلك 700 موقع ميناء ومرسى وجزيرة ونقاط مختلفة، وذلك على طول الضفة الشرقية للخليج العربى، يستخدمها عادة للتهريب، وفى أوقات الضرورة قد يستخدمها لأغراض عسكرية فى اعتراض السفن الحربية والتجارية وناقلات النفط ومنعها من المرور فى المضيق، وهو أمر بديهى إذا ما نشبت الحرب وذلك بواسطة ما يملكه من زوارق صواريخ وزوارق انتحارية، أو عبر زرع الألغام البحرية على جنبات المضيق.

تطويرات إيرانية فى نظم التسليح البحرية
كشفت إيران خلال المناورات البحرية التى أجرتها قوات الحرس الثورى والبحرية النظامية عن عدة تطويرات أجرتها على أنظمة التسليح البحرية، ترتبط معظمها، بخطط العمليات تجاه مضيق هرمز. ففى المناورة (الرسول الأعظم 1) التى جرت فى مارس 2006 كشفت إيران عن تطوير الغواصة الصغيرة (قادر) والتى بإمكانها شن عمليات إنزال مجموعات كوماندوز لمهاجمة قواعد وأهداف بحرية معادية وذلك بمساعدة تقنية من كوريا الشمالية، وفى هذه المناورة البحرية التى شارك فيها 17000 عنصر من الحرس الثورى، ومتطوعى الباسيج والشرطة الإيرانية، إضافة إلى 1500 سفينة وطائرة قتال ومروحيات وصواريخ، وامتدت من أقصى شمال الخليج وحتى مدينة (شاه بهار) الساحلية جنوباً وتقع على مسافة 40 كم من بحر العرب، كشفت إيران عن الصاروخ بحر/ بحر (الحوت) الذى يمكن إطلاقه من قطع بحرية أو قواعد ساحلية، وهو مخصص لتدمير السفن الحربية والغواصات تحت الماء، ويسير بسرعة 100 متر/ ثانية- أى أربعة أضعاف سرعة أى سفينة حربية (5) 2 متر/ ثانية)، كما يمكن تفادى رصده بالسونار، وذكرت المصادر الإيرانية أنه يتفوق على الصاروخ الروسى المماثل (شاكفاك- 3v) الذى صنع عام 1995، كما تم أيضاً اختبار إطلاق طائرة مائية لا يمكن رصدها بالرادار، وتستخدم فى تنفيذ مهام انتحارية ضد السفن المعادية. هذا بالإضافة لاختبار صواريخ ساحلية تم تطويرها ذاتياً فى إيران مثل الصاروخ (كوتر) المضاد للسفن.

وفى مناورات (الرسول الأعظم-2) التى جرت فى أكتوبر 2006، اختبرت بحرية الحرس الثورى الإيرانى أنواعاً مختلفة من صواريخ ساحلية (أرض / بحر)،/ وصواريخ بحرية (بحر/بحر) بينها الصواريخ (كوثر،/ نور، ونصر) حيث أعلن مسئولون عسكريون إيرانيون عن زيادة مدى هذه الصواريخ من 120 كم إلى 170 كم لتغطى منطقة الخليج كلها وبحر عمان، بحيث أصبحت كلها تحت السيطرة البحرية الإيرانية.

الخطة الأمريكية لاستعادة السيطرة على هرمز
تشير تقارير مخابراتية إلى أن الولايات المتحدة أكملت استعداداتها لشن عملية عسكرية ضد إيران، ولم يبق سوى تحديد الموعد والذى يتوقع أن يكون فى نهاية 2007 وأوائل 2008 قبل أن ينهى بوش ولايته وبعد أن تستنفذ قرارات مجلس الأمن التى تفرض عقوبات على إيران أغراضها بأن ترفضها طهران ، وبذلك تعطى المبرر لشن عمل عسكرى ضدها استناداً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وقد أعدت الولايات المتحدة نفسها لهذه الضربة بعد أن حشدت مجموعتى حاملتى طائرات فىالخليج قوامها 35 قطعة بحرية، بينها حاملة الطائرات (أيزنهاور) والأخرى (ستينس)، وبذلك تضاعف حجم المقاتلات فى الخليج إلى حوالى 150 مقاتلة، هذا بالإضافة لحوالى 50 مقاتلة أخرى F-15، F-16 فى القواعد الأرضية بدول الخليج وتركيا، إلى جانب توقع إشراك ما لا يقل عن 40 مقاتلة B-1، B-2، B-52 سوف تنطلق رأساً من قواعدها الجوية فى الولايات المتحدة وبريطانيا ودييجوجارسيا بالمحيط الهندى. وقد أفادت مصادر أمريكية أن اتفاقاً تم إبرامه بين الولايات المتحدة وقطر لتوسيع قاعدة (العديد) العسكرية والمتمركز بها مقاتلات F-117 (الشبح).

أما فيما يتعلق بالصاروخ كروز (توماهوك-المطور) فمن المتوقع أن يشارك فى العملية الهجومية ضد إيران حوالى 200 صاروخ يتم إطلاقهم من بارجتى أحدهما (فيليبى سى) والغواصة (البكركى) المتواجدتين بمياه الخليج ضمن مجموعتى حاملتى الطائرات، بالإضافة للصواريخ التى ستنطلق من القاذفات B-52. كما أدخلت القوات الأمريكية مؤخراً إلى مياه الخليج غواصات جديدة غير مأهولة ومخصصة للاستخدام لمواجهة الألغام البحرية الإيرانية المتوقع زرعها فى مضيق هرمز.

ومن المتوقع أن يكون تأمين مضيق هرمز ومنع إيران من إغلاقه أحد الأهداف الاستراتيجية للعملية العسكرية المتوقع أن تقوم بها الولايات المتحدة ضد إيران. ذلك أن منع إيران من اللجوء إلى وسائلها العسكرية لشن عمل استباقى ضد القوات الأمريكية فى المنطقة أو عمل انتقامى إذا ما أخذت القوات الأمريكية المبادرة بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، سيكون فى صميم أهداف ومهام القوات الأمريكية التى ستوجه الضربة الأولى.. 

بمعنى إن أهداف هذه الضربة لن تكون قاصرة على قصف المنشآت النووية الإيرانية فقط، ولكن ستشمل أيضاً، وربما بتركيز أكبر وأولوية زائدة، قصف الأهداف التى تشكل وسائل الضربة الانتقامية الإيرانية، وهى قوات الحرس الثورى فى مناطق تمركزه وقواعده البحرية التى تنتشر بها زوارقه الصاروخية والانتحارية وسفن إنزاله، إلى جنب قصف وحدات الصواريخ الباليستية (شهاب - 3) قبل أن تتحرك إلى مواقع إطلاقها، مع قصف هذه المواقع فور رصدها. 

ذلك لأن المنشآت النووية المخطط قصفها وتدميرها لا تشكل تهديداً ملحاً ضد القوات الأمريكية فى الخليج ولكن وحدات الصواريخ شهاب إذا ما تمكنت من الانتشار فى مواقعها واستطاعت إطلاق صواريخها يمكن أن تشكل تهديداً داهماً للقوات الأمريكية المتواجدة فى قواعدها على الساحل الغربى من الخليج وضد الأهداف الاستراتيجية والسكانية فى إسرائيل، كما يمكن أيضاً لوحدات الحرس الثورى سواء البحرية أو البرية أن تشكل بدورها تهديداً خطيراً للقوات الأمريكية والبريطانية المتواجدة فى جنوب العراق إذا ما قررت طهران اكتساح جنوب العراق بواسطة الحرس الثورى مستنداً على عملائه وركائزه المتواجدة بالفعل هناك. نفس الأمر من حيث خطورة التهديد إذا ما دفعت إيران بزوارقها الصاروخية والانتحارية لتدمير قطع بحرية أمريكية أو ناقلات نفط لإغلاق مضيق هرمز.

لذلك فإنه من المتوقع أن تعطى الخطة الأمريكية أولوية مطلقة لتدمير وحدات الصواريخ شهاب فور اكتشاف قواعدها بواسطة وسائل الاستخبارات والاستطلاع الفضائية والجوية والبشرية، وكذلك وحدات الحرس الثورى البحرية والبرية ووسائل عملها لحرمان إيران من استخدامها فى عملياتها الانتقامية عقب ضرب منشآتها النووية.

وستفتتح المقاتلات القاذفة B1، B2، القادمة من قواعدها فى الولايات المتحدة وبريطانيا العملية العسكرية ضد إيران بتوجيه ضربات جوية ضد مواقع وحدات الصواريخ شهاب والحرس الثورى، وستصاحبها المقاتلات الشبح F-117 لفتح ثغرة فى نظام الدفاعات الجوية الإيرانية خصوصا مواقع الصواريخ أرض جو Tor - Mi التى حصلت عليها إيران مؤخرا من روسيا، كما ستخصص هجمة جوية لتدمير القوات البحرية والساحلية والبرية المتواجدة فى قاعدة بندر عباس البحرية المسيطرة على مضيق هرمز، كذلك الوحدات الإيرانية المتواجدة فى الجزر الأخرى المتحكمة فى المضيق، وأهمها أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى. 

وبعد التأكد من تدمير الوحدات الإيرانية المتواجدة فى القواعد البحرية والجزر المتحكمة فى المضيق، ستسعى القوات الخاصة الأمريكية والمارينز إلى احتلال هذه القواعد والجزر بمنع الإيرانيين من إعادة احتلالها وأستعادة السيطرة على مضيق هرمز. وذلك من خلال القيام بعمليات إنزال بحرى واقتحام جوى جزئية فوق هذه القواعد والجزر، تحت غطاء جوى كثيف وحماية بحرية حتى تتمكن القوات الأمريكية من تعزيز دفاعاتها داخلها.

كما ستوجه كاسحات الألغام لتنظيف الممر البحرى داخل المضيق وعلى أجنابه من الألغام التى يفترض أن البحرية الإيرانية قد زرعتها لعرقلة المرور البحرى داخل المضيق. 

هذا إلى جانب تواجد خطة خاصة لتدمير الغواصات الإيرانية وسفن السطح بواسطة الصواريخ البحرية الأمريكية وقنابل وصواريخ الأعماق والغواصات غير المأهولة والموجهة عن بعد، إلى جانب الهجمات الجوية خصوصاً من جانب المروحيات المخصصة لاستطلاع وقتال الغواصات.

وخلال معركة السيطرة على مضيق هرمز - والتى من المتوقع أن تستغرق من 2 - 3 أيام - وبالتوازى مع تدمير أهداف الحرس الثورى الإيرانى ووحدات الصواريخ شهاب، من المتوقع أن يتم شن هجمات صاروخية بواسطة الصواريخ كروز توما هوك المعدلة ضد المنشآت الدفاعية الإيرانية الثابتة مثل مواقع الدفاع الجوى والمطارات، والقواعد الجوية، والمصانع الحربية، ومراكز القيادة والسيطرة السياسية والاستراتيجية، ومقار وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات ومراكز البحوث والتطوير العسكرية، وغيرها من المنشآت الاستراتيجية والسياسية والعسكرية. أما فيما يتعلق بالمنشآت النووية الإيرانية وأبرزها منشأة تحويل اليوارانيوم الطبيعى إلى غاز UF - 6 فى أصفهان، ومنشأة تخصيب اليورانيوم وتصنيع أجهزة الطرد المركزى فى نانتانز، ومصنع إنتاج الماء الثقيل ومفاعل فصل البلوتونيوم فى آراك، وذلك باستخدام قنابل موجهة مضادة للتحصينات المتواجدة على عمق كبير حتى 30 متر طرازات GBU - 28، BLU - 109، B-69 بقوة 1 كيلو طن (1000 طن متفجرات) لإحداث تدمير وإبادة شاملة لكل ما هو داخل هذه التحصينات المكونة من طبقات من الصخور والخرسانة المسلحة من معدات وأفراد.

كما يتوقع أن تقوم الوحدات الخاصة ومجموعات المخابرات العاملة داخل الأراضى الإيرانية، بجانب مهام الاستطلاع والاستخبارات فى تحديد وتأكيد مواقع الأهداف الإيرانية، وتوجيه المقاتلات الأمريكية نحو أهدافها، أن تقوم أيضاً بعمليات تدمير للأهداف التى لم تنجح الهجمات الجوية والصاروخية فى تدميرها، وقتل وخطف عدد من القيادات السياسية والعسكرية والعلماء الإيرانيين. إلى جانب إثارة الجبهة الداخلية ضد النظام الحكام فى إيران، وقد تستخدم فى هذا المجال قوات جماعة مجاهدى خلق الإيرانية المعارضة والمتواجدة فى معسكر أشرف تحت السيطرة الأمريكية فى العراق، وقوامهم 5000 عنصر.

وفى مواجهة ما تراهن عليه إيران من إغراق سفينة حربية أمريكية كبيرة، وبما يحدث صدى دعائياً عالمياً يقلص كثيرا من هيبة الولايات المتحدة على الساحة العالمية، وما قد يترتب على ذلك من حدوث خسائر بشرية جسمية فى أفراد البحرية الأمريكية قد تتعدى عدة مئات، فمن المؤكد أن ترد الولايات المتحدة على ذلك باستخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد أكثر الأهداف السياسية والاستراتيجية الإيرانية أهمية، خصوصاً تلك التى تحوى رموز النظام الإيرانى السياسية والعسكرية، حيث ستعتبرها واشنطن كارثة لا تقل عن كارثة تدمير الأسطول الأمريكى فى بيرل هاربور فى بداية الحرب العالمية الثانية، والتى كانت سبباً فى دخول الولايات المتحدة الحرب آنذاك ضد اليابان، ثم ضربها بعد ذلك بقنبلتين نوويتين.

كارثة عالمية:
إن قراراً إيرانياً بإغلاق مضيق هرمز فى حالة تعرضها لعملية عسكرية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل أو كلاهما من شأنه أن يخلق كارثة اقتصادية عالمية. لذلك فإن النظرة الإيرانية القائمة على الإدراك بأن عرض قدرتها على إلحاق أذى بالمصالح الاقتصادية الأمريكية والغربية فى مياه الخليج كفيل بردع واشنطن وغيرها عن التفكير بالخيار العسكرى. ولقد كانت هذه الرسالة واضحة عندما أجرى الإيرانيون اختباراتهم على الصواريخ البحرية فى منطقة مضيق هرمز وليست أية منطقة أخرى، مؤكدين أن إيران تريد أن تقول للغرب أن ضربتهم للمنشآت النووية الإيرانية سيقابله تحرك عسكرى من قبلها ضد السفن المتجهة عبر مضيق هرمز، وأن إيران لديها القدرة التكنولوجية العسكرية على إلحاق أذى كبير بسفنهم وسفن حلفائهم فى هذه المنطقة، ناهيك عن إيقاف 20 - 30 ناقلة نفط يومياً، وبما سيؤدى إلى رفع أسعار برميل النفط لأكثر من 100 دولار، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار وسائل النقل والمنتجات الاستهلاكية المصنفة أضعاف ما هى عليه حاليا، وتتسبب فى كارثة اقتصادية واجتماعية ستعانى منها الدول الكبرى والصغرى على السواء، أشبه بأزمة الكساد العالمى فى ثلاثينيات القرن الماضى والتى كانت من أسباب نشوب الحرب العالمية الثانية.

إن التكتيكات البحرية الإيرانية التى أظهرتها المناورات التى جرت فى ربيع وخريف عام 2006، والمتمثلة فى شن حرب عصابات بحرية تعتمد على قوارب صغيرة وسريعة مسلحة بصواريخ بحر/ بر جوالة أو طوربيدات أوراجمات صواريخ كاتيوشا ومدافع رشاشة من أجل شن هجمات كروفر سريعة ضد سفن حربية أمريكية كبيرة (حاملات طائرات - مدمرات صواريخ - فرقاطات - سفن إمداد) وضد ناقلات نفط وسفن تجارية، وذلك من أجل إعادة حركة الملاحة وانهاك القوات البحرية الأمريكية والغربية المجهزة للحروب التقليدية وليس لمواجهة حروب العصابات البحرية، هذا إلى جانب شن هجمات انتحارية ضد أهداف بحرية عدة، ناهيك عن قدروة الصواريخ الجوالة C - 802 وسيلك وورم والتى يصل مدى بعضها إلى 120 كم، وبما يمكنها من توجيه ضربات بهذه الصواريخ ضد منشآت استراتيجية على طول سواحل دول الخليج العربية. فإذا ما نجحت هذه التكتيكات البحرية الإيرانية فى تدمير وإغراق قطعة بحرية أمريكية كبيرة وبما يترتب عليه وقوع خسائر بشرية جسيمة بين أفراد البحرية الأمريكية، ويؤدى لهز هيبة الولايات المتحدة دولياً، وبما قد ترد عليه الأخيرة باستخدام أسلحة نووية ضد إيران، وبما يقضى نهائياً على النظام الحاكم فى إيران ويكبد الشعب الإيرانى خسائر بشرية ومادية جسيمة قد لا يستطيع تجاوز أثارها إلا بعد خمسين عاماً، فإن ذلك يعنى تلوث منطقة الخليج - أراضى وأجواء ومياه وبيئة وبشر بالإشعاعات النووية لفترة طويلة من الزمن، وبما يؤثر سلبا وبعمق على جميع مكونات البيئة فى الخليج لعدة سنوات.

البدائل الأمريكية والعربية:

فى خطوة منها لتفادى حدوث أى نقص لديها فى النفط عملت الولايات المتحدة على زيادة مخزونها النفطى بشكل هائل، وبما يكفى لأكثر من 20 شهراً إضافيا. وهذا ما يفسر ارتفاع أسعار النفط لأكثر من 70 دولار للبرميل ثم تراجعها إلى 55 دولار. وتسعى واشنطن اليوم إلى تشجيع أطراف دولية أخرى مثل دول بحر قزوين وشمال أوروبا وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى روسيا لزيادة استثماراتهم فى عمليات التنقيب عن النفط واستخراجه وذلك لتقليل الاعتماد على نفط الخليج. والمعروف أن الكونجرس الأمريكى كان قد أصدر قانونا منع فيه الإدارة من استيراد أكثر من 15% من احتياجات أمريكا النفطية من مصدر واحد.

كما تبنت دول الخليج العربية المصدرة للنفط خطة طوارئ لتطبيقها فى حالة إغلاق الملاحة فى مدخلى الخليج والبحر الأحمر. وهذه البدائل لم تكن وليدة البارحة بسبب تصاعد المخاطر الجيوسياسية فى المنطقة نتيجة صراع محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما وضعت على مدار أكثر من عقدين، واعتمد وزراء النقل فى الدول الست الأعضاء فى مجلس التعاون الخليجى مشروع خطة الطوارئ عبر منافذ دول المجلس فى حالة إغلاق منفذى مضيق هرمز وباب المندب، ينقل النفط عبر خطوطاً أنابيب إلى الدول المجاورة وبما يتجاوز مضيق هرمز بالالتفاف حوله.

ويؤكد الخبراء أنه لكى تحافظ الأسواق على استقرارها فى حالة نشوب صراع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران يؤدى إلى إغلاق مضيق هرمز، ينبغى تزويد الأسواق العالية بـ 18 مليون برميل من النفط يوميا. مشيرين إلى أن السعودية، أكبر منتج للنفط فى العالم، يمكنها أن تستخدم طريقاً بديلاً للتصدير يتمثل فى أبنوب نفط لا يستخدم كثيراً فى الوقت الحالى تبلغ طاقته 5.5 مليون برميل يومياً ويمتد عبر المملكة إلى جدة، وهناك أيضاً خط أنابيب للتصدير بطاقة 1.6 مليون برميل يمتد من العراق عبر السعودية، إلا أنه لم يستخدم منذ غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وللعراق كذلك خط أنابيب لتصدير النفط بطاقة 1.2 مليون برميل يوميا يمتد من الشمال الغربى عبر تركيا إلى ساحل البحر المتوسط. ومن البدائل الأخرى لجوء السعودية والإمارات إلى إنشاء خط أنابيب عبر شبه جزيرة (مسندم) العمانية يقطع عمان إلى بحر العرب. إلا أن آخرون يؤكدون أن جميع هذه البدائل، بما فيها البديل الأخير الذى من غير المرجح تنفيذه كما يقول الخبراء، لا تفى باحتياجات الأسواق العالمية البالغة 18 مليون برميل يومياً يتم تصديرها من المنطقة عبر مضيق هرمز.

الخلاصة:
مما لا شك فيه أنه إذا ما أغلق مضيق هرمز بسبب عمليات عسكرية متوقعة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن ذلك سيجعل دول العالم جميعا - المنتجة للنفط والمستهلكة له على السواء- مخنوقة اقتصادياً واجتماعياً، حيث سيكون من الصعب على الدول المنتجة للنفط أن تستخدم البدائل المشار إليها آنفا فى تعويض ما ينقل عبر مضيق هرمز من نفط يصل إلى 18 مليون برميل يومياً، وبالسرعة المطلوبة فى حالة إغلاق المضيق، خصوصاً الدول التى لا تملك مخزونا استراتيجيا من النفط وتعتمد عليه فى تسيير عجلة الصناعة بها، مثل الصين والهند واليابان وكوريا وغيرها، بعكس الولايات المتحدة وأوروبا التى لديها احتياطى استراتيجى من النفط يكفيها 120 يوميا.

وإذا ما تم إغلاق مضيق هرمز فإن الآثار السلبية لذلك ستلحق بإيران بقدر أكبر مما سيلحق بالدول العربية المنتجة للنفط. ذلك لأن إيران تعانى بالفعل من مشاكل نفطية تتمثل فى قرب نضوب حقولها النفطية التى تنتج حاليا حوالى 4 مليون برميل بأقل 370 ألف برميل عن حصتها المخصصة لها من الأوبك. ويقدر لذلك عام 2015. هذا إلى جانب سوء حالة المنشآت النفطية التى لا تجد استثمارات كافية لصيانتها وتحديثها بسبب العقوبات الدولية المفروضة على إيران، وهو ما يجعلها تعتمد أكثر على تصدير الغاز الذى تضخ منه 80 مليار متر مكعب سنوياً فى السوق العالمية، وهو ما يمثل نحو 3% من إجمالى الصادرات العالمية من الغاز.

وهو ما انعكس فى اعتماد إيران على استيراد 40% من احتياجاتها من البنزين من الخارج لعدم وجود قدرات تكرير كافية لديها، ناهيك عن تزايد الاستهلاك الداخلى من النفط، والذى يصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً. فإذا أضفنا إلى كل ذلك أنه فى حالة إغلاق إيران لمضيق هرمز بسبب العمليات العسكرية، أن رد الفعل الأمريكى سيتمثل فى قصف حقول النفط ومنشآته وموانئ تصديره فى إيران، بل وأيضاً خطوط نقله إلى الخارج، فإن ذلك سيضاعف حجم الكارثة الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة لإيران، وهو ما ينبغى عليها إزاء ذلك أن تتجنب تصعيد المواجهة القائمة بينها وبين الولايات المتحدة، وحل الأزمة الناشئة بينها بالوسائل السلمية، والتوقف عن السياسة الإيرانية المعروفة بالوصول بالأزمة إلى حافة الهاوية ثم التراجع تدريجيا، ذلك أن هذا الأسلوب قد لا ينجح فى كل مرة، وقد لا تحمد عقباه إذا ما انفلت زمام السيطرة على الأزمة من أى جانب إذا ما دخل العامل العسكرى فيها.

الكاتب :- لواء متقاعد/ حسام سويلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق